​15 عامًا على رحيل الطبيب الثائر.. جنديًّا وقائدًا وأديبًا

صورة أرشيفية
غزة/ أحمد المصري:

"هل نحن خائفون من الموت؟ إنه الموت سواء بالقتل أو بالسرطان، نحن جميعًا ننتظر آخر يوم في حياتنا، لن يتغير شيء، سواء كان بالأباتشي أو بالسكتة القلبية.. الموت واحد، وأنا أفضل الأباتشي"، بهذه الكلمات الواثقة عرف الشعب الفلسطيني وجماهير الأمة العربية والإسلامية أسد فلسطين الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، والذي تمر اليوم، ذكرى استشهاده الـ15.

ولد الرنتيسي في 23 من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1947 في قرية يبنا، ولينشأ بين تسعة إخوة وأختين، وقد لجأت أسرته بعد حرب 1948 إلى قطاع غزة واستقرت في مخيم خان يونس للاجئين وكان عمره وقتها ستة أشهر.

التحق وهو في السادسة من عمره بمدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، واضطر للعمل أيضًا وهو في هذا العمر ليساهم في إعالة أسرته الفقيرة التي كانت تمر بظروف صعبة، وأنهى دراسته الثانوية عام 1965، ومن ثم التحق في كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام 1972، ونال منها لاحقًا درجة الماجستير في طب الأطفال، ثم عمل طبيبًا مقيمًا في مستشفى ناصر في خان يونس عام 1976، ومحاضرًا في الجامعة الإسلامية منذ افتتاحها.

شغل الرنتيسي عدة مواقع في العمل العام منها: عضوية الهيئة الإدارية في المجمّع الإسلامي والجمعية الطبية العربية بقطاع غزة والهلال الأحمر الفلسطيني، وانضم لصفوف جماعة الإخوان المسلمين 1976، ليترأسها في محافظة خان يونس.


قيادات سبعة


كان الرنتيسي أحد قياديي جماعة الإخوان المسلمين السبعة في قطاع غزة عندما وقعت حادثة المقطورة، التي صدمت فيها شاحنة مستوطن إسرائيلي سيارة عمال فلسطينيين، فقتلت وأصابت جميع من فيها، وعدت تلك الحادثة عملًا متعمدًا بهدف القتل ما أثار الشارع الفلسطيني.

وفي ليلة التاسع من ديسمبر 1987م، تقرر الإعلان عن "حركة المقاومة الإسلامية" كعنوان للعمل الانتفاضي الذي يمثل الحركة الإسلامية في فلسطين، وصدر البيان الأول موقعًا بـ"ح.م.س"، هذا البيان التاريخي الذي أعلن بداية الانتفاضة والذي كتبه الرنتيسي بيده كان بمثابة بدء لتغيير وجه التاريخ، وبدء العمل المقاوم.

قاد العمل الجهادي والنشاط السياسي الدكتور الرنتيسي إلى سجون الاحتلال، فكان أول من اعتقل من قادة الحركة بعد أن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في التاسع من ديسمبر 1987م.

وفي ديسمبر/ كانون الأول عام 1992 أُبْعد مع 400 من قيادات حركة حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان؛ وبرز هناك كناطق رسمي باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة في منطقة مرج الزهور، وهو ما أثار حفيظة الاحتلال وأدى لاعتقاله فور عودته من الإبعاد، وظل محتجزًا حتى أواسط عام 1997م.

وبعد مجيء السلطة عام 1993 للأراضي الفلسطينية وتوقيع اتفاق أوسلو للتسوية، تمكن الرنتيسي من خلق جبهة معارضة قوية لانخراط الحركة في أي مؤسسة من مؤسسات السلطة، أو دخول الحركة في انتخابات تحت سقف اتفاق أوسلو، وأدت مواقفه تلك لاعتقاله عدة مرات في سجون أن السلطة.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، ووقف الرنتيسي على مفاصل تحشيد العمل العسكري المقاوم للاحتلال، مما عرضه للاستهداف والملاحقة، إذ تعرض قبل استشهاده لمحاولة اغتيال في العاشر من يونيو/ حزيران عام 2003، استُشهد فيها أحد مرافقيه، إضافة إلى طفلة كانت تمر قرب مكان الاستهداف، فيما أصيب نجله بجروح خطيرة.


غارة إسرائيلية


وبعد استشهاد مؤسس الحركة وقائدها، أحمد ياسين، في غارة إسرائيلية استهدفته، في الثاني والعشرين من مارس/ آذار 2004، عيّنت الحركة الرنتيسي قائدًا لها في قطاع غزة، واستُشهد بعدها بغارة إسرائيلية، في السابع عشر من إبريل/ نيسان 2004.

وعلى رغم سيرته الجهادية وانشغاله بالعمل السياسي، ومراحل السجن والإبعاد، إلا أن الرنتيسي أبدع في الكتابات السياسية والأدبية، وأفردت له العديد من الصحف العربية زوايا لكتاباته السياسية ومن بينها جريدة (الأمان)، وجريدة السبيل الأردنية، والبيان الإماراتية، والوطن القطرية، إضافة لكتاباته في موقعه الإلكتروني، وسواها من المنابر الإعلامية.

كما حفظ الرنتيسي القرآن الكريم في سجنه وكتب عديدا من القصائد والأشعار الحماسية كان أبرزها ديوان حديث النفس والتي تشجع على الصبر والتحمل في طريق مقاومة الاحتلال.

ويعلق الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف، على هذه الذكرى بقوله إن الرنتيسي كان رجل المرحلة، حمل تبعاتها بكل جدارة، واقتدار، فكان عنوانا للقائد، ومثالا للجمهور، في حياته جمع بين القيادة والجندية والحاضنة الشعبية.

ويضيف الصواف لـ"فلسطين"، الرنتيسي كان محبوبا متواضعا عاشقا للبندقية والقلم معًا، فكان مقاومًا وشاعرًا، وثابتا على الحق، مدافعا عنه، لا يقبل الضيم، عنيدا لا يقبل التنازل، صاحب مبدأ لا يحيد عنه، لسبب بسيط، أنه يؤمن بأن مبدأه نابع من دينه، ودينه هو يقينه يؤمن بأنه الحق وسينتصر.