​يتحدى الاستيطان وشاهد على عنصرية الاحتلال

48 عامًا ومسجد "خالد بن الوليد" يقاوم "كريات أربع"

صورة أرشيفية
غزة-الخليل/ طلال النبيه:

قبل 48 عامًا، أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، أمرًا بوقف بناء مسجد "خالد بن الوليد" الذي بدأ أهالي المدينة ببنائه على حدود مستوطنة "كريات أربع"، بعد شعورهم بالخطر الحقيقي والكبير الذي بدأت تشكله المستوطنة تزامنًا مع إنشائها على أراضي المواطنين وتغول المستوطنين عليهم.

ذلك القرار الذي تضمن تهديد عمال البناء بالسجن، تصدى له أهالي الحي، حيث حضر الحاج محمد إدريس أحد أعضاء لجنة الإشراف على بناء المسجد، متحديًا الحاكم العسكري قائلًا: "اللي حطني هون أبي، وهو اللي يوقفني عن البناء، فتساءل الحاكم: من أبوك؟ فقال له إدريس: الشيخ محمد علي الجعبري".

والشيخ الجعبري أحد أعلام مدينة الخليل، ورئيس بلديتها لسنوات طويلة، ومستشار ملك المملكة الأردنية الهاشمية الراحل الحسين بن طلال، وترأس اللجنة القومية ولجنة الطوارئ في مدينة الخليل، ثم ترأس بعد النكبة مؤتمر أريحا الذي أعلن ضم الضفة الغربية من فلسطين إلى الأردن.

فكرة البناء

وانطلقت فكرة بناء المسجد، الذي يقع شرقي مدينة الخليل، في منطقة الكسارة على طريق بني عامر عام 1970م، ليكون حاميًا للمدينة من غول الاستيطان، ولتقام أول صلاة فيه في فترة البناء والعمل بجد وبتبرع كريم من أهالي الحي، ليخرج بشكله الهندسي والمعماري الجميل.

واحتل المسجد الذي يقع شرقي مدينة الخليل مكانة مهمة من سكانها، منذ انطلاق فكرة البناء في عام 1983م، حتى إتمام البناء بشكله المعماري الجميل، حيث أسهم جميع سكانه في التبرع لإنشائه، بهدف حماية أراضي المدينة من التغول الاستيطاني، ووقف تمدد مستوطنة "كريات أربع" في أراضي المدينة.

ويروي الحاج عبد المعز إدريس، أحد المساهمين في بناء المسجد لـ"صحيفة فلسطين" قصة إنشائه من البداية، قائلًا: "إن فكرة بناء المسجد كانت بتبرع الحاج موسى دعنة بقطعة أرض مساحتها دونم وسط الحي، إلا أن أهالي الحي اقترحوا بيعها وشراء أرض على حدود مستوطنة"كريات أربع"، لوقف تمددها".

وشكل أهالي الحي لجنة للإشراف على بناء المسجد مكونة من 5 أعضاء وبرعاية من محمد علي الجعبري وعقدت اللجنة اجتماعًا لأهالي الحي للحديث حول المسجد وللدعوة بالتبرع من أجل البدء في بنائه، حيث كان الجعبري أول المتبرعين ثم توالت التبرعات وكان من أكثرها مساهمة الحاج إدريس بـ 200 دينار أردني عن عائلته وأبنائه.

وبلغت قيمة التبرعات التي جمعت في أول بناء للمسجد 4800 دينار أردني لتنطلق أعمال البناء ولتقام أول صلاة فيه في نفس وقت البناء، للوقوف بشكل حقيقي أمام خطر تمدد مستوطنة "كريات أربع"، حيث أقيم على مساحة حوالي 4 دونمات، وبني من الحجر الخليلي الصلب المسمى "حجر صرم عين".

ووفق ما يروي الحاج إدريس (74 عامًا) والذي عمل في استخراج الأحجار وقصها، فإن هذا النوع من الحجارة يستخرج من أراضي بلدة بني نعيم شرقي مدينة الخليل، متميزًا بنقائه، ويشرف على بنائه المهندس يوسف جلال أحد أعلام البناء والمهندسين في الخليل.

وعمل المهندس جلال على زخرفة المسجد وبنائه بقبة بطريقة جميلة جذابة على الطريقتين العثمانية والأندلسية، ما جعل من المسجد معلمًا إسلاميًّا حضاريًّا، ولوحة فنية إسلامية فريدة ومميزة.

ومن أبرز التحديات التي واجهت بناء المسجد بعد قرار منع بنائه وتحدي أهالي القرية للقرار هو منع إقامة المئذنة، حيث بنيت بعد 18 عامًا من بدء أعمال البناء.

وأشار إدريس إلى أن "سور المسجد يفصل الحي عن مستوطنة "كريات أربع"، ليشكل المسجد حصنًا يحول بين أراضي القرية والمستوطنة".

وقال: "المستوطنون حرقوا المسجد وأعدنا ترميمه، وأطلقوا النيران على المارة في محيطه، ومنعونا من وضع مكبرات الصوت للأذان تجاه المستوطنة".

تقصير حكومي

الحاج السبعيني وخلال حديثه لـ"فلسطين" وجه رسالته إلى وزارة الأوقاف بضرورة توفير حراس للمسجد وتوظيف موظفين له، موضحًا أنهم تقدموا بعدة طلبات بذلك إلا أنهم ضربوا مطالباتنا بعرض الحائط.

ونبه إلى أن وزارة الأوقاف قررت قبل 3 أعوام إغلاق المسجد بعد كل صلاة إلا أننا رفضنا ذلك، قائلًا: "وقفت للإمام وقلت له المسجد للحارة مش للأوقاف، ولا تعيد هذا الكلام مرة أخرى وسيبقى المسجد مفتوحًا 24 ساعة ولن يغلق لا بأمر من الأوقاف ولا غيره، ولم يطبق هذا القرار".

وبعد حوالي 50 عامًا يبقى مسجد "خالد بن الوليد" شاهدًا على صمود أهالي الخليل في وجه غول الاستيطان، ومقاومته بكل الأدوات والأساليب.