​لم يفارق مسيرات العودة منذ بدايتها..

أبو فطاير تمنى الشهادة بقلبٍ أبيض فنالها

صورة أرشيفية
غزة / نسمة حمتو:

كلما نظرت إلى وجهه وهو نائم كانت تدعو الله في سرها "اللهم احفظه لي وأنر دربه ويسر له أمره"، وفي كل مرة تتحسس جبينه فربما قد أصيب بالحمى دون أن يشعر، تغفو ساعة ثم تعود مرة أخرى للنظر إليه كأنها تدري بأنه عليها أن تحفظ ملامح وجهه لأنها ستفارقها طيلة الحياة، لن تنسى أبداً طيبة قلبه وحبه للوطن ونضاله من أجل الذهاب لمسيرات العودة، ولن تنسى يداً كانت تمسح عنها تعبها خلف صغارها الأربع طيلة النهار..

السند والروح

هذا المشهد تعيشه الآن عائشة أبو فطاير زوجة الشهيد كريم أبو فطاير والذي استشهد برصاصة غادرة من قناص الاحتلال الإسرائيلي على السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة شرق مدينة البريج، أول من أمس الجمعة أثناء مشاركته الدورية في فعاليات مسيرات العودة الكبرى.

هذا الوجع بائسٌ باردٌ تصل حرارته لأقل من الصفر الآن، كيف لا وهي من فقدت السند والروح والحياة، فقدت رب الأسرة والزوج الهادئ الرزين الكتوم فقدت كل شيء حولها بفراقه وبقيت وحيدة صامتة لا تستطيع البوح بما في قلبها من أوجاع على فراق نصفها الآخر..

تقول عائشة لـ"فلسطين" عن آخر لقاء جمعها بزوجها قبل أن يهم بالذهاب إلى مسيرة العودة: "أخبرني أنه جائع جداً يريد تناول كمية كبيرة من الطعام، قال أطعميني فأنا سعيد جداً اليوم، ذهب للسوق واشتري لأبنائه ملابس المدرسة والعيد، كانت الفرحة تخرج من عينيه حتى أنني استغربت جداً من هذا الشعور".

خبر استشهاده

كانت تتوسل زوجها أن يخبرها عن سر السعادة التي تسكن قلبه هذا اليوم هل حصل على مكافأة من عمله؟ أم وجد عملًا أفضل من بيع الخضروات في السوق والذي لم يكن يمنحه الكثير من الأموال ليعيش حياة كريمة؟ كل هذه التساؤلات انتهت فور تلقيها خبر استشهاده..

وتضيف الزوجة التي كانت تشعر بتعب شديد بعد سهرها ليلة كاملة تبكي زوجها: "كان ملتزمًا جداً بالذهاب لمسيرات العودة، لم أعارضه يوماً في ذهابه، كان يقول لي لا تسأليني أين أذهب سأخبرك بكل شيء يوماً ما ولكنه رحل دون أن يخبرني بشيء للأسف".

وتمضي الزوجة بالقول:" كان دائماً يحب لعب كرة القدم، ويحب الزراعة، حنون جداً وطيب القلب، يحب جميع أبنائه ويحرص على تدليلهم، ولم أشعر يوماً بأنه يفرق بينهم في المعاملة، كان بارا جداً بوالدته ويحب إخوته وأخواته ولا يرفض لهم طلبا".

أب حنون

كانت أمنية "كريم" قبل أن يتزوج أن يفارق الحياة شهيداً، وحتى بعدما أنجب أربعة أطفال كانت هذه الأمنية تراوده دائماً، فكانت زوجته في كل مرة يذهب فيها إلى مسيرة العودة تضع يدها على قلبها وتدعو الله أن يحميه ولكنها هذه المرة شعرت بأنه سيفارقها للأبد ورحل.

وتتابع حديثها وهي تبكي يُتم أبنائها الأربعة: "ما ذنب هذا الرجل الطيب الحنون الذي لم يؤذ أحدا في حياته أن تستهدفه قناصة الاحتلال، ما ذنب أبنائه أن يعيشوا هكذا بلا أب بلا سند يعينهم في هذه الحياة، بلا أب يُطيب خاطرهم يمسح عن جبينهم وجع الحياة، أين هم أصحاب الضمائر، كل يوم نفقد أعز أقارب وأحباب إلى متى سنبقى هكذا..؟".

وجع شقيق كريم "علي" لم يختلف كثيراً عن وجع زوجته كيف لا وهو من كان يرافقه دوماً في العمل طيلة النهار، وعن ذلك يقول علي: "كان دائماً يحب الذهاب لمسيرات العودة، في بداية المسيرات كان يذهب كل يوم وبعدها أصبح لا يفوت جمعة واحدة دون أن يذهب، وعندما يطلب منه أحد أن لا يذهب يقول دعوني أذهب وأحقق أمنيتي".

ويضيف وهو يتذكر آخر يوم شاهده فيه: "كان طيب القلب ندي جداً في تعامله معنا، منذ زمن وأمنيته في الحياة الشهادة وبفضل الله طلبها ونالها، كنا نتوقع أن يستشهد في أي لحظة وحدث ما كنا نتوقع".