إقرأ المزيد


أحداث "مجزرة غزة" تلاحق ممرضي ومسعفي "العودة"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

مر الإثنين، الرابع عشر من مايو الماضي، ثقيلاً على سكان قطاع غزة كافة. كان يوماً دموياً ودع خلاله الفلسطينيون عشرات الشهداء الذين ارتقوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي خلال تظاهرهم على الحدود الشرقية لقطاع غزة.

مسعفون وممرضون شاركوا في تضميد جرح آلاف المصابين، سجلوا مشاهد لن ينسوها في حياتهم. بعض هذه المشاهد تخللها البكاء أو الاختناق بالغاز أو الهروب من رصاص الاحتلال الذي لم يكن يفرق بين طفل وشيخ أو مسعف ومتظاهر.

وشهدت النقاط الطبية المنتشرة على طول شريط المواجهة مع الاحتلال ازدحاماً شديداً بالمصابين، فيما لم تتوقف محركات سيارات الإسعاف عن الدوران ذهاباً وإياباً إلى المستشفيات لنقل المصابين والشهداء.

الممرضة سندس عاشور (27 عاماً) هي إحدى الممرضات والمسعفات اللواتي عملن في تلك النقاط، تستذكر أحداث ذلك اليوم المأساوي.

تروي عاشور تفاصيل هذه الأحداث لصحيفة "فلسطين" وتقول: "وصل ذلك الشاب كعشرات المصابين إلى النقطة الطبية التي أعمل بها، كان مستيقظا وبحالة جيدة لكن بدأ بعد لحظات من الإصابة تغير على لون الجسم واشتداد الألم وظهور أعراض التهتك".

وأضافت: "سجلت اسم المصاب وكان شاباً في العشرينات من عمره ويدعى (أحمد الرنتيسي) وأجريت له الاسعافات الطارئة له في غضون أقل من ثلاث دقائق. انتهى هذا اليوم واستيقظت في صبيحة اليوم التالي لأتفاجأ باستشهاد هذا المصاب".

"كان اليوم مخيفا جدا، كأننا عشنا في حالة حرب لم نتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد .. لم نستطع حتى التقاط أنفاسنا"؛ قالتها وهي تعيد شريط الذكريات القريب إلى هذا اليوم.

وسجلت عاشور في ساعات الصباح الأولى، أكثر من 380 إصابة وصلت النقطة الطبية التي تعمل بها شرق مدينة غزة.

إصابات مخيفة، قاتلة، لا يمكن تخيل منظر الأطراف المصابة، هكذا عاشت الممرضة عاشور هذا اليوم الذي سيبقى في ذاكرتها، "كانت الحالات صعبة، حزنت كثيرا على هؤلاء الشباب، كان مدخل الإصابة فتحة صغيرة بمجرد أن ننزع أجزاء من الثياب أمام الرصاصة، نجد المخرج متفتتا تكاد يدك تدخل فيه" تتحدث عن طبيعة الإصابات.

وعن كيفية تعاملها مع الإصابات المتهتكة، قالت: "الخوف وارد في جميع الجوانب، لكن الواجب الوطني والأخلاقي والمهني يدفعنا لأن نترك الخوف وراء ظهورنا لتأدية عملنا، حتى نخرج الإصابات للمستشفيات".

وفي غمرة انهماكها في العمل واجهت عاشور موقفا كان مفاجئا لها، إذ وصلها اثنان من أقربائها، أحدهما كانت لشخص أجزاء من أمعائه خارجة من البطن والثاني يده متفتتة.

تكمل: "حينما رأيتهما صدمت وشعرت بالخوف؛ من ثم تعاملت معهما مباشرة، ووضعت صلة القرابة وراء ظهري وتعاملت معهما كما أتعامل مع بقية المصابين".

"المشهد مؤلم، ونأمل ألا يتكرر، كان المشهد أصعب مما عشناه في الحرب، تألمت من شكل الشباب المصابين بالقدمين، كانت معظم الحالات منتشرة على الأرض، إصابات، الدماء تنزف" هكذا تصف عاشور المشهد.

ممرضة ومصابة

ما إن أشارت عقارب الساعة إلى الثامنة والنصف صباحًا، حتى تواجدت الممرضة صابرين حامد (24 عاماً) شرقاً بمنطقة أبو صفية شمال قطاع غزة، كانت حامد تتجول بين المتظاهرين، ألقى جنود الاحتلال قنبلة غاز وسط تلك الجموع، تروي حمد لصحيفة "فلسطين": "بدأنا بالانتشار وإسعاف المتظاهرين ورش محاليل طبية في عيونهم للتخفيف من آثار قنابل الغاز".

هذا اليوم الذي سجلته حامد في ذاكرتها يشهد على هذه المجزرة، وتكمل: "كانت الإصابات مخيفة، كنا نحرص على أن نوقف النزيف بربط مكان الإصابة ولفها ونقلها لسيارات الإسعاف، وإجراء عمليات إنعاش للقلب لبعض الحالات، كان اليوم متعبا".

حامد التي كانت تعمل على إسعاف المصابين هي الأخرى تعرضت للإغماء أثر تعرضها لقنابل الغاز ونقلت على إثر ذلك الساعة الواحدة ظهرا إلى المستشفى الإندونيسي.

بعد يوم عمل شاق ومجزرة بشعة ارتكبها الاحتلال، لم يسمح وضعها الصحي لها بالعودة لاستكمال عملها، وتقول "كنت أود العودة لكني لم أستطع بسبب آثار قنابل الغاز التي أطلقت بشكل هستيري".

أدوار متبادلة

الساعة الواحدة والنصف ظهرا، إطلاق رصاص بشكل عشوائي، العديد من الإصابات ملقاة على الأرض قرب مقبرة الشهداء شرق مدينة غزة بعد تعرضها لقذائف المدفعية.

يصف المشهد المسعف خالد أبو نعمة (27 عاماً) الذي يعمل بوزارة الصحة، الذي وصل المكان برفقة زميله سائق الاسعاف لنقل الإصابات، ويقول لصحيفة "فلسطين": "نقلنا ست إصابات في إسعاف واحد من ضمنها اثنتان من الإصابات توقف فيهما القلب أثناء نقلهما بالإسعاف في الطريق من المقبرة الشرقية لمستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة".

ويكمل عن هذا الموقف الصعب: "كنا نعمل على إنعاش الرئتين حتى عاد النبض والنفس بمجرد وصولهما المشفى".

بعد هذه اللحظة، جاءت إشارة تطلب من المسعف أبو نعمة نقل إصابة خطيرة بذات المكان، وقال "نقلت إصابة لشخص كانت أجزاء من الدماغ خارجة من الرأس وأسعفناه والآن هو بمستشفى القدس ما زال في حالة الخطر ويتلقى العلاج".

هو يوم عصيب عاشه المسعفون والممرضون، فبعد الأحداث التي عاشوها والدماء التي غرقوا بها، لا تزال ذكريات مجزرة غزة تراود مخيلتهم كشبح يرغبون بالتخلص منه.