أحمد إسماعيل جرار.. تعذيب من السلطة واستشهاد على يد الاحتلال

جنين- غزة/ نور الدين صالح

"في الليلة الظلماء يفتقد البدر" تلك هي العبارة التي تصف لحظات استشهاد شبان فلسطين، على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما ينطبق على شهيد مدينة جنين أحمد إسماعيل جرار (31 عامًا)، الذي باغتته مجموعة من "المستعربين" الإسرائيليين على حين غرة.

في 18 كانون الثاني (يناير) الماضي وقعت حادثة ضجت منها الأراضي الفلسطينية بأكملها، حينما نصبت مجموعة من "المستعربين" المتنكرين باللباس المدني كمينًا لاغتيال الشهيد أحمد نصر جرار، لكن لم ينل الاحتلال مراده بذلك.

حين أسدل الليل ستاره عند الساعة العاشرة قبيل منتصف الليلة دهمت قوة "المستعربين" التي تستقل سيارة فلسطينية خاصة محطة وقود حيفا في مدخل مدينة جنين الغربي، واعتقلت عاملين وصادرت كاميرات المراقبة منها، وهذه هي لحظات الاستشهاد كما ترويها انشراح جرار والدة الشهيد "أحمد إسماعيل".

في تلك اللحظات كان موعد عودة أحمد إلى البيت بعد قضائه وقتًا مع أبناء عمه، فتفاجأ بالقوة التي تحاصر منطقة منزله بالكامل، بعد أن وصلت السيارة التي يستقلها وأولاد عمه، ومن بينهم أحمد نصر جرار، حسبما تضيف لصحيفة "فلسطين".

وتُكمل وصوتها يختنق من شدة الألم حزنًا على فراق فلذة كبدها: "حالة من الإرباك سيطرت على أحمد، دفعته إلى إطلاق النار على قوة المستعربين، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عسكرية بينهما، في حين تمكن أحمد نصر من الانسحاب من المكان".

"لم أكن أعلم أن كل الاشتباكات وإطلاق النار الكثيف خارج البيت كانت على ابني أحمد، وسمعنا خبر استشهاده من الإذاعات في اليوم التالي"، بهذه العبارة أرادت الأم المكلومة وصف مشهد همجية القوة الاحتلالية في قتل ابنها، وهو غير مستهدف بالأساس.

وتحكي أن المستعربين اضطروا إلى استدعاء وحدات من (الكوماندوز) التابعة للاحتلال، من شدة الاشتباكات التي أدت إلى إصابة اثنين من جنوده.

في هذه الأثناء اشتد بكاء الخمسينية على فراق ابنها، وأخذت تتحدث عن مناقبه: "أحمد شاب خلوق، ولا يتدخل في شأن أحد، ويعتمد على نفسه، يعمل ويدرس في وقت واحد، وكل الناس تحبه".

ولم يتمكن أحمد من إنهاء دراسته الجامعية في كلية التجارة، قسم المحاسبة بجامعة القدس المفتوحة، بسبب انشغاله في عمله سائقًا لشاحنة نقل، حتى يستطيع تأمين حياة كريمة له ولأسرته، لسوء وضعهم الاقتصادي، حسبما تذكر والدته، وهي أم لستة أفراد (ولدين و4 بنات).

وتقول جرار وعلامات الحزن والألم بدت واضحة في أثناء حديثها: "كان آخر امتحان لأحمد قبل يوم باستشهاده، لينتقل بعدها إلى امتحان الآخرة عند ربه".

تعذيب السلطة

حياة الشهيد أحمد لم تخل من عذابات وملاحقات الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في الضفة، حينما زجته في سجونها وأذاقته أنواعًا شتى من العذاب، تحت حجج واهية.

فكان شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي قاسيًا على الشهيد أحمد في قضية زجه في سجن جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة، وترك أثرًا بين أوساط عائلته التي لم تتوقع قسوة المعاملة من الطرف الفلسطيني، لاسيما أنها قدمت التضحيات والشهداء في سبيل الله.

التفاصيل كما ترويها والدته أم محمد: وجه إلى أحمد خلال عمله سائقًا تهمة إطلاق نار على سيارة مواطن، يقطن في منطقة "فحمة" بجنين، وقدّم بلاغًا ضد أحمد لدى جهاز الأمن الوقائي.

وتضيف: "إن الأمن الوقائي ظل يستدعي أحمد على مدار أسبوعين للتحقيق معه، في تلك القضية، أذيقَ خلالهما أقسى أنواع التعذيب".

لم ينتهِ من جهاز الوقائي، حتى بدأت له حكاية أخرى مع جهاز المباحث العامة، الذي استدعاه للتحقيق، لكنه تفاجأ بالضرب المبرح من عناصر المباحث، دون أدنى مسؤولية، حتى إن ملامح وجهه تغيّرت، على وفق ما تذكر والدته.

وللشهيد أحمد تجربة قاسية جدًّا مع الاعتقال السياسي، فإضافة إلى توقيفه واستجوابه على يد أكثر من جهاز أمني تابع للسلطة، بزعم اقتناء سلاح وعلاقته بأبناء عمومته؛ كان اعتقال المباحث العامة له للسبب نفسه بعد توكيله بمهمة مصادرة سلاحه حدثًا صارخًا اهتز له الجميع.

وتكمل أم محمد المكلومة: "حتى بعد خروجه من السجن ظل عناصر الأجهزة الأمنية يهددونه بالقتل والتنكيل في حال رفع قضية على الضباط الذين عذبوه"، منبّهةً إلى أنه سُجن مرتين، إحداها في سجن أريحا.

هكذا مر الشهيد أحمد بعذاب في سجون السلطة، وارتقى في النهاية شهيدًا على يد قوات الاحتلال.