​أحمد طبش فجّر مواهب القوقعة المعتمة غزة

غزة - هدى الدلو

عندما يبدو أن كل شيء يُعاندك ويعمل ضدّك، تذكر أن الطائرة تُقلع عكس اتجاه الرياح، لا معه.. أحمد وليد طبش تجاهل كل الظروف والمنغصات التي تدور حوله، وأخذ بالبحث والتنقيب عن نفسه، ليكتشف مواهبه، ويطور من قدراته بعيدًا عن التعليم الممنهج والنظامي فقط.

فقام طبش بعمل مبادرة "وتر المواهب ولادة جديدة لإبداعات خنقها الحصار"، بهدف النهوض بمواهب مدفونة، لم تستطع أن تظهر نفسها، ومن ثم كتب مقالًا عن فكرة مشروعه وقدمه لمنحة كوكا كولا في الولايات المتحدة الأمريكية، وتم اختياره من بين الآلاف مع آخرين.

أحمد طبش، من مواليد جمهورية مصر العربية، يبلغ من العمر (23 عامًا)، عاد مع عائلته إلى ربوع الوطن "فلسطين" بعد ستة شهور من ولادته عقب رجوع السلطة الفلسطينية، نشأ وترعرع في أسرة متوسطة الحال في مخيم غرب خان يونس.

ويرى أن كل فلسطيني يقطن في غزة قد دون قصة كفاح، فمعايشته لأحداث انتفاضة الأقصى عام 2000 من اجتياحات وتدمير للمنازل، خاصة أن بيتهم قد تضرر أكثر من مرة، وفي كل اجتياح كان مهددًا بالتدمير خاصة قبل عام 2005، ومن جانب آخر عاش الحروب الثلاثة التي شنت على قطاع غزة في الأعوام 2008، 2012، 2014.

تجاهل كل ذلك، ووضع قدمه على أولى درجات سلم مسيرته الإبداعية من خلال المشاركة في الإذاعات المدرسية والأنشطة اللامنهجية واللجان والنوادي، تميز طبش بحصوله على المراكز الأولى في دراسته، وحصل على العديد من الجوائز اليابانية للمتميزين إلى أن وصل إلى مرحلة الثانوية العامة وحصل على نتيجة خيبت أمله وبعثرت أحلام عائلته، فقد كانوا ينتظرون حصوله على المراكز الأولى في تلك المرحلة.

قال: "تسلحت بالعزيمة والإصرار على مواصلة الطريق، وسجلت في كلية الهندسة في الجامعة الإسلامية التي لطالما حلمت بدراستها، وفي الوقت نفسه قدمت مشروعًا "وتر المواهب، ولادة جديدة لإبداعات خنقها الحصار" أنا وزملائي إلى إحدى الجمعيات والذي كان عبارة عن أول برنامج تنافسي في قطاع غزة يهتم بالمواهب الإبداعية والمدفونة نفذ في عام 2013م".

وقاد البرنامج وأشرف على تنفيذه، واكتشف البرنامج العديد من الموهوبين الذين يشقون الآن طريق نجاحاتهم، وأشار إلى أن البرنامج هو برنامج تنافسي يتكون من 4 مراحل، تجارب الأداء، والتصفيات الأولية، ومرحلة ما قبل النهائي والتي تشمل تدريب المواهب ثم النهائيات، تم تنفيذ البرنامج برعاية جمعية الثقافة والفكر الحر.

وأوضح طبش أن العديد من المواهب التي التحقت في البرنامج تحقق إنجازات وطموحات، مثل هشام معمر من أشهر المعلقين الرياضيين بغزة، وهو الذي حصل على المركز الأول للمواهب في الموسم التجريبي، ونور رضوان مغني ومطرب في بداية صعوده للنجاح أحد المشتركين، والشاعر الطفل محمد الشاعر وهو أحد رواد إلقاء الشعر، وفرقة FMA من أشهر الفرق في عروض الاكروبات والحركات الرياضية، فريق التوأم سكيت وحاليًا يشاركون في مسابقة عالمية بإحدى الدول الأوروبية.

بعد مرور عامين، نهض من جديد ليفكر خارج الصندوق ويبدأ في رسم أحلام كبيرة تلك التي تقوى على تحريك القلوب والعقول، وقد بدأ بالبحث عن خطوة جديدة ليخرج من هذه القوقعة المعتمة والمميتة (غزة) ويستنشق بعضًا من الحرية، فظل يبحث ليل نهار عن فرصة يستطيع من خلالها أن يرى ويطير في سماء خالية من الغيوم ويشاهد العالم يتكشف وينجلي من تحته.

وتابع طبش حديثه: "فوجدتها وأصررت تلك المرة على ألا أتراجع حتى لو فشلت، فتحت الموقع الخاص بالمنحة الأمريكية لتقديم أفكار ريادية، فتفاجأت أنه خلال ساعات سيغلق باب الاشتراك ومن شروط المنحة جلب أكبر عدد من الأصوات على الفكرة"، لم يكترث للأمر وكتب فكرته التي طالما اهتمت بالمواهب وقام بإرسالها، مضيفًا: "لقد كانت نسبة أملي في الفوز بتلك المنحة 1%، حتى وإن فشلت لن أشعر بتأنيب الضمير وأحزن".

تلك المنحة الدولية تابعة لشركة كوكاكولا في الولايات المتحدة الأمريكية، كتب باللغة الانجليزية عن مشكلة المواهب المدفونة في غزة والعوائق التي يواجهونها في حياتهم، ليتم اختياره وفق معيار قوة الفكرة متجاهلين أعداد الأصوات الذي لم يصل لخمسة أصوات، ليتم تأهيله من بين الآلاف المقدمين للمنحة من مختلف الدول للمرحلة الثانية والأخيرة وهي مقابلة عبر الفيديو كونفرنس.

دخل إلى قاعة المقابلة ترافقه دقات قلبه المسرعة، وكان حذرًا جدًا في لغة الجسد التي أحب تعلمها عبر الانترنت، ابتسم وجلس في هدوء ظاهر وقلق باطن، جاوب بجمل قصيرة ولكن كانت مؤثرة ومقنعة، غادر المكان وشعر بأن هناك منافسين ذا لغة إنجليزية أقوى منه ستكون لديهم الفرصة أكثر، لم يفكر كثيراً ولم يخبر أحدًا بأنه سجل في منحة حتى عائلته، بعد مرور أسبوعين وفي الساعة الخامسة صباحاً استيقظ لينهي النشاط البيتي لمساق جامعي، فتح البريد الخاص به فوجد رسالة بالخط العريض مكتوبة "Congratulations" لقد تم اختيارك في منحة السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا أحمد استطاع أن يحقق حلمًا من أحلامه الكبيرة، لتضيف قصة سفره مغامرة أخرى في سجلات نجاحاته، انطلق من القدس إلى عمان، وكانت الطائرة الأولى التي يصعدها في حياته يقول: "أول طائرة في حياتي أصعدها، وأخيرًا سأرى العالم يتكشف وينجلي من تحتي، جلست بجانب امرأة كانت تجلس بجانب النافذة، وأنا عيني كانت على النافذة ولاحظتني وجعلتني أجلس مكانها بجانب النافذة، كأنك تملك العالم كله عندما تراه من تحتك".

وصل ولاية انديانا وكان هناك أكثر من مائة مشترك من مصر، تونس، الجزائر، الأردن، باكستان، المغرب وأمريكا، ما بين تحدٍّ ومغامرة يوميًا، "كنت لا أنام أكثر من 4 ساعات هناك، لم يكن لدي الوقت لأكتشف المنطقة وفي بعض المرات أخرج وحيدًا أمشي في طرقات المدينة"،

وبعد عودته إلى الوطن، تحدث طبش: "الذين تأتيهم الفرصة للسفر يتغيرون، تتغير نظرتهم للحياة، وفكرتهم عن الرفاهية، عن رائحة الهواء، عن معنى الراحة، عدت إلى قوقعتي الرمادية مرة أخرى".

وبعد عام تخرجت من كلية الهندسة بتقدير عام ممتاز، "وكان لي الشرف أن أعيد مجدي مرةً أخرى، ولكن لا أعلم ماذا يخبأ لي القدر في الأيام القادمة؟، ولكن سأعود من جديد للعمل على مشروع وتر المواهب 2، بعدما أعزز علاقاتي مع المؤسسات لأنفذ المبادرة"، وفق قوله.

ونوه إلى أنه رغم أن وتر المواهب 1 كان موسمًا تجريبيًا إلا أنه التحق فيه أكثر من 400 موهبة، ويطمح حاليًا لتنفيذ فكرته الريادية بإنشاء مركز للمواهب وتدريبهم وتأهليهم وتعزيز شبكة التواصل والاتصال مع العالم الخارجي في إطار التبادل الثقافي والخبرات والمواهب والاحتراف وعمل منتوجات فنية من صنع مواهب فلسطينية.