​العالم وفوضى واشنطن

أسامة أبو ارشيد
السبت ١٧ ٠٣ / ٢٠١٨

مع طرده وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، وتعيينه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، مايك بومبيو، بدلا عنه، يكون دونالد ترامب قد عزّز قبضته على مفاصل إدارته وسياستها الخارجية. لم يكن سرّاً أن علاقة ترامب وتيلرسون لم تكن جيدة منذ الأيام الأولى لتعيين الأخير وزيرا للخارجية. لم يتشاطر الاثنان الرؤى والمقاربات، ولطالما كان تناقض مواقفهما علنيا، وعلى شاشات التلفزة، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية. اختلف ترامب وتيلرسون في كل شيء، وعلى كل شيء تقريبا. اختلفا بشأن الاتفاق النووي الإيراني الذي يريد ترامب تمزيقه، وأراد تيلرسون الحفاظ عليه. اختلفا على مزاعم التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية أواخر عام 2016، بين ترامب منكرا وتيلرسون مؤيدا لاستنتاجات الأجهزة الاستخباراتية الأميركية. واختلفا حول ملف الأزمة الخليجية، ففي حين كان ترامب مؤيدا حصار قطر منذ اليوم الأول، قبل أن يعدل موقفه تدريجيا، كان تيلرسون، مسنودا بوزير الدفاع، جيمس ماتيس، معارضا. كما اختلفا في إدارة أزمة ملف كوريا الشمالية النووي، فترامب يقفز بين الموقف ونقيضه، وتيلرسون لا يستطيع أن يلاحق تناقضات رئيسه.. إلخ.

منذ وصوله إلى الرئاسة، عمل ترامب على تفريغ وزارة الخارجية من محتواها، وحاول تخفيض ميزانيتها بنسبة 32% عام 2017، و25% عام 2018، لصالح زيادة ميزانية وزارة الدفاع والاستخبارات الأميركية، إلا أن الكونغرس أجهض المحاولتين. الغريب هنا أن تيلرسون كان مؤيدا مطالب ترامب في خفض ميزانية وزارة الخارجية، وهو الأمر الذي أثار عليه كبار موظفي وزارته، فانتهى به الأمر على علاقةٍ سيئةٍ برئيسه والبيت الأبيض، ومعزولا داخل وزارته نفسها. نقل عن تيلرسون، العام الماضي، تذمره من أن صهر الرئيس ومستشاره، جاريد كوشنر، يدير وزارة خارجيةٍ موازية من غرفة المعيشة العائلية في البيت الأبيض. وفعلا، كان تيلرسون معزولا داخل إدارة ترامب عن السياسة الخارجية، على الرغم من أنه وجهها، والأصل أنه مديرها. وكثيرا ما فوجئ تيلرسون بتحقير الرئيس العلني له، وإضعاف موقفه كوزير خارجية للولايات المتحدة على المسرح الدولي. في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، كان تيلرسون في العاصمة الصينية، بكين، يتحدث عن "قناتين، أو ثلاث مع كوريا الشمالية لبدء الاتصالات". لم ينتظر ترامب توضيحا رسميا يصدر عن إدارته، بل لجأ إلى وسيلته المفضلة في إصدار القرارات، أو وضع السياسات: تويتر. عبر تغريدة واحدة، انتقد فيها ترامب تيلرسون، وهو في عاصمة أجنبية، فسقطت مصداقية الرجل وهيبته، وما عاد أحد يأخذ كلامه على أنه ممثل للولايات المتحدة. لم تكن تلك حادثة معزولة، فقد فعلها ترامب مرات ومرات، كما في شهر حزيران/ يونيو من العام الماضي، عندما خرج تيلرسون أمام الكاميرات، في مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية، ينتقد فيه حصار قطر. لم تمض ساعة، حتى كان ترامب يناقضه، على الرغم من أن تيلرسون راجع معه ما سيقوله في مؤتمره الصحافي مسبقا. تكرر الأمر الأسبوع الماضي. يوم الثامن من مارس/ آذار الجاري، كان تيلرسون في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، في جولة أفريقية. من هناك، أعلن أن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بعيدتان الآن عن مفاوضات مباشرة. لم تمض ساعات حتى كان ترامب يعلن، من البيت الأبيض، أنه يوافق على عقد قمة مباشرة مع زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون.

إذا، بالغ ترامب في إهاناته المتكرّرة لتيلرسون، من ناحية، في حين أضعف تيلرسون، القادم من عالم المال والنفط، نفسه أكثر، بأنه لم يختط مبدأً واضحا له في السياسة الخارجية، وساهم في عزل نفسه داخل وزارته، حتى عن كبار مستشاريه. ولكن العدل هنا أيضا يقتضي القول إن تيلرسون لم يُمَكَّنْ يوما في وزارة الخارجية، فلا تزال أكثر من 30% من المناصب العليا والحساسة في الوزارة شاغرة، ذلك أن البيت الأبيض رفض كل ترشيحاته لها، أو أنه أراد فرض شخصياتٍ عليه، رفض كثيرا منها. وزاد من تعقيد الأمور أن عددا كبيرا ممن فرضهم البيت الأبيض داخل وزارة الخارجية مارسوا حصارا على تيلرسون داخل الوزارة نفسها، بل وعملوا جواسيس للبيت الأبيض وجاريد كوشنر.

نُقل عن تيلرسون، في شهر تموز/ يوليو من العام الماضي، أنه وصف ترامب بأنه "أبله" في اجتماع في وزارة الدفاع. لم ينكر تيلرسون يوما صحة النقل عنه، وإن كان خرج في مؤتمر صحافي بعد تسريب الخبر يمتدح فيه ذكاء الرئيس. طبعا لم ينتظر ترامب توضيحات تيلرسون ولم يكتف بها، فكان أن أطلق تغريدات يقارن بها مستوى ذكائه بمستوى ذكاء تيلرسون وغيره.

قد يكون تيلرسون وزير خارجية ضعيفا وغير مؤهل للمنصب، ويبدو أنه كذلك، لكن مشكلته لم تكن فقط في انعدام خبرته، بقدر ما أنها كانت في نوعية الرئيس الذي عمل له. ترامب ليس رئيساً وازناً أخلاقياً، ولا هو متزن نفسياً. رجل حياته مشبعة بالفضائح التي لا تكاد تنتهي، كفضيحة الممثلة الإباحية التي تلاحقه اليوم. وهو كذلك يعيش بالفوضى، والدليل أن عدد من طُرِدَ أو استقال من إدارته في الأربعة عشر شهرا الأخيرة يصعب حصرهم. ومع ذلك، خرج علينا قبل عشرة أيام ليقول إن الواقع في البيت الأبيض ليس "فوضى وإنما طاقة عظيمة". الأخطر أنه لا يؤمن بالحدود الدستورية المفروضة على صلاحيات الرئاسة أميركيا. عندما أعلنت الصين، مطلع شهر مارس/ آذار الجاري، تعزيز صلاحيات الرئيس، شي جين بينغ، بما قد يسمح له بالبقاء في منصبه مدى الحياة، غرّد ترامب قائلا: "قد نجرب ذلك يوما".

إنه يؤمن بالولاء الشخصي له، لا للدستور الأميركي، ولذلك كان لافتا أن يركز تيلرسون في خطابه الوداعي من مقر وزارة الخارجية، الثلاثاء الماضي، على أن الموظفين العموميين أقسموا على الولاء للدستور الأميركي وحمايته. بمعنى آخر، لم يقسموا على الولاء الشخصي للرئيس نفسه. هذا لا يعجب ترامب، وعلينا ترقب مزيد من التغريدات التي ستطيح رؤوسا أخرى في إدارته. لكن المؤكد أيضا أن هذه الفوضى ستبقى سمة رئاسته، وقد تتطور إلى أزمات كبرى، على الساحتين الدولية والداخلية، ولا يستبعد أن يكون القرار المقبل هو إطاحة المحقق الخاص في مسألة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، روبرت مولر. ما دام الحزب الجمهوري مصرا على تقديم مصالحه السياسية الضيقة على مصالح أميركا وقيمها وأعرافها الدستورية والقانونية، فإن هذه الدوامة ستستمر، وستحدث تصدعاً في بنى المؤسسات والديمقراطية الأميركية، وربما لفترة تمتد بعد رئاسة ترامب. الأكثر خطورة، أن ما يحدث في أميركا لا يبقى في أميركا، فالعالم كله قد يكون على موعد مع تداعيات هذه الفوضى التي تضرب واشنطن.