​الإطار القانوني لخطابنا السياسي

لا يزال كيان الاحتلال الصهيوني يتجاوز كل الأحكام، والمفاهيم، والقوانين، والقرارات المرتبطة بالقوانين الدولية والشرائع السماوية المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، والتي تنص بوضوح على صون حقوقهم وضمانة سلامتهم النفسية والجسدية والقانونية، وذلك في أثناء وجودهم في معتقلات الاحتلال، وتجبر الاحتلال على معاملتهم معاملة تحفظ كرامتهم الإنسانية، وتنفيذ إجراءات عادلة فيما يخص شؤونهم، وعدم تعريض حياتهم للخطر.

هذا الكيان المجرم يحاول التحلل والتهرب من كل التزاماته الدولية تجاه قضية الأسرى الفلسطينيين في كل موضع، ولا يلتفت إلى كل الدعوات والتقارير التي نادت بتنفيذ أحكام اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة والمتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب وحماية الأسرى.

لكن الاحتلال يعمد إلى وصف الأسرى الفلسطينيين بالسجناء الأمنيين أو الجنائيين و"الملطخة أيديهم بالدماء"، كما يصرحون في وسائلهم المختلفة، وهذا شيء في منتهى الخطورة.

فهو يحاول بذلك تضليل الرأي العام الدولي، ومنع هؤلاء الأسرى من الاستفادة من حقوقهم المشروعة، التي أقرها القانون الدولي ونصت عليها اتفاقيات جنيف.

فكيان الاحتلال يدرك تمامًا أن اللعب في المفاهيم والألفاظ وإعطاء هؤلاء الأسرى وصفًا معينًا قد يحققان الأهداف الصهيونية في الاستفراد بهم، وزيادة معاناتهم، والتهرب من المسؤوليات الدولية، وحرمانهم أبسط الحقوق الإنسانية، ومنع حصولهم ومن يناصرهم ومن يدعو للتضامن والدفاع عنهم من تحقيق أي مكاسب على المستوى السياسي، أو على صعيد القانون الدولي، في مواجهة جرائم وانتهاكات الاحتلال الغاشم، خصوصًا أن الاحتلال لا يزال يمارس الاعتقال الإداري بحق الأسرى، ويستمر في العزل والإهمال الطبي، ومنع الزيارات واحتجاز الأسرى، في ظروف إنسانية صعبة جدًّا بالمعتقلات، فضلًا عن القمع والتفتيش العاري، والنقل القسري، والاعتداء بالضرب واستخدام الغاز والمياه في تعذيب وقمع الأسرى، وحرمانهم التعليم، وإعادة اعتقال الأسرى المفرج عنهم في حالات كثيرة، وخصوصًا المفرج عنهم في صفقة وفاء الأحرار.

الحديث يطول عن هذه الانتهاكات؛ فهذا الكيان المجرم يتلذذ باستخدام كل الأساليب المؤلمة والقذرة في محاولة إهانة الأسرى، ضاربًا عرض الحائط بكل الاتفاقيات والأحكام والقوانين الدولية. فقضية الأسرى قضية وطنية لها أولويتها على الساحة الفلسطينية، وتحتل صدارة المشهد النضالي للقضية الوطنية، وهي عنوان الكرامة ورمز التضحية على طريق استعادة الحقوق الوطنية، وكنس الاحتلال، وتحرير كامل التراب الفلسطيني.

فهؤلاء الأسرى يناضلون لتحرير بلادهم بالوسائل المتاحة في مواجهة الاحتلال، وقد ضمنت كل الشرائع والقوانين للشعوب حق مقاومة ومقارعة ومواجهة الاحتلال بمختلف الوسائل لنيل استقلالهم وإنهاء الاحتلال، والأمم المتحدة هي من أقرت في مواثيقها واتفاقياتها القانونية الدولية أن مقاومة الاحتلال بكل الوسائل والسبل لا يعد جريمة من قريب أو بعيد، ومن هنا جاءت مشروعية مواجهة ومقاومة الاحتلال، وقد نصت اتفاقية جنيف الثالثة على حماية الأسرى والحفاظ على حقوقهم، وعدم تعريض حياتهم للخطر، ومعاملتهم معاملة تحفظ آدميتهم، وعدّهم أسرى حرب.

لذا تقتضي المسؤولية الوطنية والأخلاقية إبقاء هذه القضية فاعلة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، وأن نستخدم كل الوسائل المشروعة للدفاع عنهم وتعرية وفضح جرائم وانتهاكات الاحتلال من طريق المراكز والجمعيات والمؤسسات الحقوقية الإقليمية والدولية، ونقل الصفة والصورة الصحيحة للحالة التي يمر بها الأسرى، وتذكير العالم بحجم معاناتهم وجسامة جرائم الاحتلال.

وفي سعينا إلى الدفاع عنهم يجب أن نراعي أدق الألفاظ والمصطلحات القانونية المتعلقة بقضية الأسرى، لأن التهاون في ذلك استخفاف بحقوقهم واضح وغير مقبول يرتب ضررًا كبيرًا لأوضاعهم القانونية أمام الجهات الدولية، ويعطي كيان الاحتلال فرصة للإفلات من مسؤولياته الدولية تجاه الأسرى وتجاه حقوقنا بوجه عام؛ فلا يصح نعتهم بالمحابيس والمساجين، وكذلك لا يصح تسمية أماكن اعتقالهم بالسجون.

وإنما هم أسرى ينطبق عليهم صفة أسير الحرب، وهذه معتقلات وليست سجونًا؛ فالمعتقلات لا تتوافر فيها الحقوق التي تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

وكذلك هم أسرى معركة وطنية مشروعة وأسرى الحرية وليسوا أسرى أمنيين أو جنائيين، ولا يصح إطلاق مسمى المقاتلين غير القانونيين عليهم، كما يحاول الكيان تمرير هذا المصطلح على الصعيد الدولي، لإسقاط الشرعية الدولية عنهم، ليتمكن من الاستمرار في سلسلة من الانتهاكات والجرائم بحق أسرانا الأبطال.

إن الكلمات والمصطلحات والمفاهيم تحتل أهمية بالغة وكبيرة في خطابنا القانوني والسياسي، لأن لها وقعًا ونتيجة بالغة ويترتب عليها آثار قانونية دولية وسياسية في مواجهة الاحتلال؛ فعلينا أن نكون أكثر حرصًا في معركتنا الوطنية مع هذا العدو المجرم.