​الإثنين المشهود واليوم الموعود

د. مصطفى اللداوي
الاثنين ١٤ ٠٥ / ٢٠١٨

الرابع عشر من أيار (مايو) اليوم الذي أعلن منظمو مسيرة العودة الوطنية الكبرى عزمهم أن يصلوا مع الشعب الفلسطيني إليه تدريجيًّا، ليكون يوم الذروة وقمة المسيرة، ويوم التحدي وعنوان المواجهة، ورمز الحراك وغاية الشعب، ومنعطفًا جديدًا ومرحلةً أخرى، وليكون مختلفًا عن بقية الأيام التي سبقته، ومغايرًا لها في الحشد والشعار، وفي الزحف والمسير، وفي الرباط والمواجهة، وفي الامتداد والانتشار، وفي العزم والإرادة، وفي التصميم والإصرار، وفي الوضوح والصراحة، إذ فيه سيجتازون "الحدود"، وسينتزعون الأسلاك، وسيسقطون السياج، وسيدخلون زحفًا إلى بلداتهم وقراهم.

أراد الفلسطينيون أن يجعلوا هذا اليوم أساسًا قويًّا ومنطلقًا جديدًا للأيام القادمة التي ستليه، يتحدون فيه الاحتلال بعزيمتهم، ويواجهونه بإرادتهم، ويصمدون أمام قواته ببسالتهم، ويثبتون أمام جحافله بإيمانهم، ليثبتوا له أنهم صُدُقٌ في الإرادةِ، وصُبُرٌ عند المواجهة، وجُندٌ عند اللقاء، ومشاريع شهادة عند الحاجة، وأنهم سيخوضون هذه المعركة رغم تباين القدرات واختلاف موازين القوى، فهم أقوياء بحقهم، وأشداء بثباتهم، ويريدون في يومهم هذا أن يرسلوا إلى عدوهم رسالةً واضحةً صريحةً، أن هذه الأجيال لن تنسى وطنها، ولن تفرط في حقها، ولن تساوم على مقدساتها، ولن تفاوض عدوها، وأنها تتطلع كما الآباء والأجداد إلى العودة إلى الديار، واستعادة الوطن والحقوق والممتلكات.

إنه اليوم المشهود، يوم الإثنين الموعود الذي تهيأ له الفلسطينيون واستعدوا، وأعلنوه وأصروا عليه، ومضوا في الإعداد له والتحضير لخوضه، غير عابئين بتهديدات العدو، ولا خائفين من استعداداته، إذ ماذا سيحمل لهم أكثر من القتل، وأسوأ من الإصابة والقنص؟!، فقد مارس ضدهم غاية بطشه، وقمع بسلاحه مسيرتهم السلمية، وحراكهم الشعبي، فقتل على مدى عمر المسيرة القصير أكثر من خمسين فلسطينيًّا، وأصاب آلافًا آخرين بجراحٍ مختلفة، استشهد بعضهم نتيجة إصاباتهم الخطيرة، ومع ذلك ما انكفأ الفلسطينيون ولا ارتدوا على أعقابهم، ولا رفعوا راية يأسهم ولا ما يدل على قنوطهم، بل مضوا يطلقون على كل يوم جمعةٍ اسمًا جديدًا فيه تحدٍّ ومواجهة، وفيه إصرارٌ وعنادٌ، وفيه تجديدٌ وابتكار.

يدرك العدو الصهيوني أن هذا اليوم سيكون مختلفًا، وأن المواجهة فيه قد تكون دامية، وأن الضحايا فيه سيكونون كثرًا، وقد يفوق عددهم عدد الذين ارتقوا على مدى أيام الجمع الماضية كلها، وتعلم أجهزته الأمنية والعسكرية أن الفلسطينيين في قطاع غزة قد أعدوا لهذا اليوم عدته، وتجهزوا لخوضه، وخاطبوا العالم كله ليرقب تحركهم، ويشهد مسيرتهم، ويتابع زحفهم، ويكون شاهدًا على همجية الكيان الصهيوني وجيشه، الذي يقمع بسلاحه الفتاك المسيرات المدنية، ويقتل برصاصه الشبان البعيدين عن السياج، الذين لا يحملون في أيديهم سلاحًا، ولا يلوحون للعدو الذي يراهم بسكينٍ أو بندقية، ولا بعصا أو قضيبٍ، ولا بخشبةٍ أو حديدة، إذ إن مسيرتهم سلمية، ونضالهم شعبي، وأهدافهم معروفة ومشروعة.

أدرك العدو وحلفاؤه كما أدرك الأشقاء والأصدقاء والمراقبون والمتابعون جدية الحراك الشعبي الفلسطيني، وإصراره على المضي حتى النهاية في نضاله، وعلموا جميعًا أن القوة، والعنف، والبطش، والإرهاب لن تثني الفلسطينيين عن عزمهم، ولن تفت في عضدهم، ولن تمنعهم من مواصلة طريقهم واستكمال نضالهم، فنشطت لثنيهم عن هدفهم عواصم القرار الدولية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وحمل المبعوثون الدوليون والمسؤولون الأمنيون ملفاتهم، ومع كلٍّ منهم سلة من المغريات وجملة من العطاءات، والكثير من التسهيلات والامتيازات، ليوقف الفلسطينيون مسيرتهم، أو ليبتعدوا عن السياج ويتوقفوا عن التهديد باجتيازه.

كما أدرك الفلسطينيون أن حراكهم مجدٍ، وأن مسيرتهم مؤثرة، وأن وحدتهم رائعة، وأن صفوفهم متماسكة، وإرادتهم صلبة، وأنهم باتوا يدقون أبواب بلداتهم وبوابات مدنهم الكبرى، وأن العدو أخذ يستشعر الخطر من حراكهم، ويخشى بالوناتهم الحارقة، وطائراتهم الورقية، ومقاليعهم اليدوية، ودواليبهم القديمة، وأفكارهم المتجددة، وأسلحتهم المبتكرة، وآفاقهم المفتوحة وفضائهم الواسع الفسيح، فبات يبدي استعداده للتفاهم والحوار، ورغبته في التفاوض واللقاء، وأنه على استعدادٍ لتلبية حاجات سكان غزة، ورفع الحصار جزئيًّا عنهم، وتقديم سلة مغرياتٍ وتسهيلاتٍ لهم، شرط أن يكفوا عن حراكهم، ويوقفوا مسيرتهم.

لا ينبغي أن نترك الفلسطينيين وحدهم، ولا أن نتخلى عنهم، ولا أن ننشغل بأي قضيةٍ عن مسيرتهم، ولا نسمح لأحدٍ بأن يغمطهم حقوقهم، أو أن يطمس تضحياتهم، فالفلسطينيون لا ينجحون وحدهم، ولا يتمكنون من مواصلة مقاومتهم دون دعمٍ وإسنادٍ من شعوبهم العربية وأمتهم الإسلامية، فهم في حاجةٍ إلى الإحساس بالسند العربي والعون الإسلامي، ولا يستغنون عنهم، وإنهم يشعرون بالكثير من الأسى عندما يتبجح العدو بأنه اخترقنا ومزقنا، وفرقنا وشتتنا، وجردنا من أنصارنا ومؤيدينا، وحرمنا عمقنا وانتماءنا، فبتنا نواجهه وحدنا، ونقاومه بمفردنا.

يجدر بالشعوب العربية والإسلامية التي ينتمي إليها الفلسطينيون أن تفخر بهذا الشعب المعطاء، وأن تعتز بهذه الأجيال المقدامة، والشبان الشجعان والرجال الأماجد، والأمهات الخنساوات الصابرات؛ فهم يصنعون المجد لهم ولكم، ويرسمون بتضحياتهم لهذه الأمة على هام الزمان آياتٍ من العز والفخار، ما يجعلهم يستحقون كل تحية، ويستأهلون كل تقدير، فهم محل فخرٍ وشرفٍ، وموضع تقديرٍ واعتزاز، يرفعون الرأس، ويشرفون أهلهم، وتباهي بهم أمتهم، فطوبى لمن انتسب لهم وعمل معهم، وهنيئًا لمن ناصرهم وأيدهم، وساندهم وساعدهم، وتعسًا لمن خذلهم وتآمر عليهم، وسحقًا لمن تخلى عنهم وانقلب عليهم.