​البالونات الحارقة.. أداة سلمية تربك (إسرائيل) ميدانيًا وسياسيًا

صورة أرشيفية
الناصرة / غزة - أحمد المصري

تلتهم الحرائق بفعل البالونات الحارقة التي يستخدمها الشبان الغزيون، بصورة شبه يومية المزيد من الأراضي الزراعية المحتلة التي تقع إلى الشرق من السلك الحدودي الفاصل ما بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 48، لتقف أمامه سلطات الاحتلال شبه عاجزة لإيقافها بأي وسيلة كانت.

وفي مقابل الحرائق التي تُحدثها البالونات الحارقة على أرض المستوطنات، وحالة الغضب المتصاعدة لدى المستوطنين، يستخدم الاحتلال القوة العسكرية تجاه مطلقي البالونات من القطاع، في خطوة يراها مختصان بأنها دليل قاطع على حجم التأثير والإرباك الذي تحدثه داخل دولة الاحتلال ميدانيًا وسياسيًا.

وكان وزير التعليم في حكومة الاحتلال، نفتالي بنيت، قال إن البالونات الحارقة التي تطلق من غزة، هي تمامًا كصواريخ القسام في تأثيرها المادي والمعنوي، ملوحًا بضرورة تعامل الجيش بنفس الطريقة التي يعامل بها مطلقي الصواريخ، في إشارة إلى التصفية الجسدية المميتة.

والبالونات الحارقة إحدى أدوات المقاومة السلمية التي يستخدمها الشبان لإيصال صوت غزة المحاصرة إلى العالم. وتقوم الفكرة على ملء البالونات بغاز الهيدروجين أو الهيليوم عبر استخلاصه يدويا بخلط مجموعة من المواد التي يخلق تفاعلها الغاز الذي يؤمن طيران البالونات

إلى مسافات تتجاوز عشرات الكيلو مترات.

ويقول المختص في الشأن الإسرائيلي صالح لطفي، إن مجتمع الاحتلال يقف حائرًا أمام الأداة السلمية الجديدة لمسيرة العودة المتمثلة في البالونات الحارقة، بما تلحقه من أضرار مادية مباشرة في الاقتصاد الزراعي للمناطق المتاخمة لحدود القطاع.

ويشير لطفي لـ"فلسطين" وهو مدير مركز الدراسات المعاصرة في الداخل المحتل، إلى تناقضات في المستويات الإسرائيلية للتعامل مع البالونات والطائرات الورقية الحارقة، حيث ترى أطراف أن الاستهداف المباشر لمطلقيها هو الأنسب، وترى أُخرى ضرورة التعامل "العقلاني" معها.

ويرى أن غياب الإجماع على السلوك الأنسب لمواجهة التأثير النفسي والميداني للبالونات يوحي بقوة تأثير هذه الوسيلة التي لا تتناسب معها الردود العسكرية، كما أن التقليل من حجم التأثير يخرج عن سياق المنطق بفعل الشواهد الحية الموثقة.

ويؤكد لطفي أن البالونات الحارقة لا تخرج عن كونها إبداعًا فلسطينيًا سلميًا فحسب وإنما تكلف سلطات الاحتلال ثمناً باهظاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفقا لما تكشف عنه مصادر إسرائيلية من خسائر اقتصادية مقدرة بملايين الشواقل.

وينبه إلى أن سلطات الاحتلال اعترفت أكثر من مرة باحتراق مئات الدونمات المزروعة بالقمح في مناطق المستوطنات المحاذية للقطاع، وهو أمر يثقل فعليا وفقا للمختص لطفي عليها سيما وأنها ملزمة وفقا للقانون بتعويض المستوطنين بشكل كامل عما يلحق بهم من خسائر قرب غزة.

وكثف وزراء ومسؤولون في جيش الاحتلال مؤخرًا من دعوتهم إلى تغيير طبيعة التعامل مع مطلقي البالونات الحارقة في ظل الفشل والعجز الشديد في التعامل معها، بما يرسمه الواقع من استمرار إطلاقها والتهامها المزيد من الحقول الزراعية.

ويشير المختص في الشأن الإسرائيلي فرحان علقم إلى أن التقديرات داخل أروقة الاحتلال تؤكد أن استخدام البالونات سيستمر كخيار إستراتيجي لدى الشبان في غزة، وذلك بما تحملها من تأثيرات وخسائر في جانبه من جهة، والتكلفة الزهيدة وسهولة الاستخدام والتجهيز من جهة أخرى.

ويضيف علقم أن نظرية الأمن والردع التي خلقها عدوان 2014 وسعى الاحتلال لتكريسها "ضربت بفعل بالونات حارقة، ذات تكلفة زهيدة، وفي عرف العالم الدولي مجرد ألعاب يتسلى بها الأطفال".

ويلفت إلى أن سلطات الاحتلال تعجز فعليًا عن التصدي للبالونات الحارقة، أو الحد من آثارها، وهو ما يشكل صدمة كبيرة في ظل "صيحات" المستوطنين القريبين من غزة بإمكانية وصول البالونات إلى منازلهم بعد حقولهم.

ويؤكد علقم أن التهديد المتتابع لاستخدام القوة وسياسة الاغتيالات بحق مطلقي البالونات الحارقة يعطي انطباعاً بحجم التأثير الذي تحدثه والعجز الإسرائيلي عن التعامل معها، سيما وأن إخفاء مصدر إطلاقها أمر في غاية السهولة.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية متعددة قالت إن سلطات الاحتلال ستحد من دخول غاز الهيليوم إلى قطاع غزة في ظل استخدامه لملء البالونات الحارقة، دون إدراك منها أن ما يملأ تلك البالونات تطبيق عملي لتجارب علمية تعلمها الأطفال في مدارسهم.

مواضيع متعلقة: