​البداية نهاية آذار

أمل يونس
الخميس ٢٢ ٠٣ / ٢٠١٨

كم من آذارٍ مر على غزة، ولم يزرها الربيع! كم من ربيعٍ يخضع للحصار فيها؟! هل على المجتمع أن ينتظر الربيع طويلا انتظار المتفرج المغلوب على أمره؟! أم على المجتمع أن يعمل بمقولة "ما بيحك جلدك إلا ظفرك" وعلى أهل القطاع أن يحكوا ظهورهم بأظفارهم. على المجتمع أن يتقلد دوره في توجيه دفة المركب تجاه صالحه. ماذا ينتظرنا في الثلاثين من آذار؟ على المجتمع أن يعي تمام الوعي أن نوعية التحرك التي سيتبناها من خلال مسيرة العودة الكبرى ستصب في صالحه إن استثمر هذا الحراك الشعبي لصالحه، وأن يجعل منه لبنة التغيير الأولى، وأن يرسم لنفسه موقعًا في هذا القرن غير الذي يرسم له من الآخرين حوله! إن الحياة الكريمة التي يبحث عنها المجتمع الفلسطيني لن تأتيه على طبق من فضة، ولن يعود له حقه من خلال خطابات العالم المرفه، ولن يحافظ على أحقيته في عودته وأرضه إلا ما يقوم به هو من تحرك. نطمح إلى حراك شعبي يخرجنا من رتابة الواقع المر؛ ليجذب لنا شيئا من أمنياتنا، بل من حقوقنا. إن مشروع صفقة القرن الذي يدبر، ولم يعد الخفاء سبيله، بل أصبح العالم يتعاطاه بوقاحة تامة على العلن، هذا يحرمنا من حقنا في كل شيء، في الوطن، في العودة، في الحرية، في الحياة. نحتاج إلى وعي بأهمية هذا الحراك الشعبي، بحيث ننأى عن الصدامات، ونوجهه بوعي دقيق لصالحنا، حراك شعبي سلمي، حيث هو السبيل الوحيد لنا الآن للضغط على الأطراف المعنية، للفت البوصلة نحونا، نحو مطالبنا. إن توجه الحشود من كافة أطياف المجتمع تعتبر مهمة وطنية، على إثرها يتحتم مصيرنا، نحن نريد ما ينبغي أن يكون لنا، لا ما يريدونه هم لنا. الحراك الشعبي الذي نريده سلميًا بامتياز، نريد ثورة الغضب المتأججة في صدورنا أن تظهر للعيان، أن تقول للعالم: لا سيناء ولا كل أوطان الأرض كلها ترضي شهوة القلب نحو الوطن. القدس التي تنقل ملكيتها علنا على مرأى الجميع، علينا أن نعبر عن سخطنا بهذا بفعل على الأرض، ليس فقط بالخطابات الرنانة. كل فرد في المجتمع له دور في إنجاح هذه المسيرة الشعبية دون إراقة الدماء، فنحن من جهتنا لا نريد هذا، نريد حقوقنا التي غابت عنا، وتنكر الجميع لها. إن الحصار المفروض على غزة منذ سنوات طوال زرع في النفوس براكين من الغضب، آن لها أن تعبر عن غليانها بشكل حضاري، أن تنفجر في وجه عالم من الظلم، أن يقف الشعب أمام العالم بصدور عارية يحمل مطالبه مُصرا عليها. على الشعب الغزي أن يتوجه تجاه جدران السجن الكبير، الحدود التي حجزته، وأن يصنع حدود معادلة جديدة، أهم عناصرها الشعب وكلمته. إن تكاثف القلوب والعقول معا في هذه المسيرة الوطنية الشعبية سيكون له مردودا عالميا إن استثمر بشكل صحيح. الحراك شعبي خال من الحزبية، والتحرك فيه لغاية عقدية ووطنية وإنسانية، فنحن حراس المسجد الأقصى، والجبهة الأولى للدفاع عن الأرض المباركة، وهذا الوطن المسلوب ينتظر منا الذود عنه والدفاع عن أحقيتنا فيه كوطن هو لنا منذ فجر التاريخ، وحقنا في الحياة الكريمة التي يعيشها البشر في أوطانهم حيث يمنحون حقوقهم كاملة. علينا اليوم أن ننحى منحى جديدا في كيفية التعامل مع حقوقنا، علينا أن نثبت للعالم أننا مستيقظون، ولم نمت بعد، ما زالت الأنفاس فينا تطالب بعودتها لسماء نقية، وأن الإنسانية التي يقتلونها كل يوم ويتغنون بها نحن أهلها. على كافة أطياف المجتمع أن تشارك من حيث مواقعها بحيث تدفع بنجاح هذا التوجه الشعبي، الذي يخرجنا إلى العالم بصورة المليونية التي تقف على حدود السجن تطالب بحقوقها. إننا مبعدون عن الإنسانية، منفيون حيث الظلم الجماعي، وعلينا أن نقاوم هذا بوسائل جديدة، نبتكر فيها كل السبل التي توصلنا للهدف. إن العزف على الوتر الصحيح في هذا الإطار من حيث الضغط الشعبي السلمي هو الوتر الذي يستخدمه العالم اليوم، لكن علينا أن نفقه جيدا أن هذا الدور يحتاج لأنفاس طويلة، يكسب فيها الطرف الأطول نفسا.

ينتظرنا في نهاية آذار بداية جديدة، قد تغير معايير عدة. في نهاية آذار بداية لحياة نريدها نحن لا هم. لو نظرنا من منظور الظلم الاجتماعي فقط؛ لعرفنا أن هذه المسيرة تصب في صالحنا. إن الشعوب التي انحنت وطأطأت ظهرها ليمتطيها الظلم لن تنال الحرية ولا الحياة الكريمة، بل تناله تلك التي رفعت هاماتها عاليا، وانتفضت بكل قواها، واستخدمت الحكمة في تحركاتها، ودققت في الأهداف المنشودة من أي خطوة.

في الثلاثين من آذار موعد مع ثورة الحق، موعد مع الاحتجاج، موعد مع نافذة جديدة تبث الأمل فينا، الأمل الذي هو على وشك الاندثار، ويحتاج منا تعزيزا على أرض الواقع.

أقل ما يمكننا فعله أن نرتص على الحدود، أن تعبر ملامح وجوهنا الغاضبة عن مطالبنا، أن ترعب عدونا أعدادنا التي ترفض الهوان، أن يرى ملامح الإنسان الذي ليس لديه ما يخسره، فهو يحاول أن يعيد شيئا منه بأسلوب سلمي يهتف فيه، ويعبر فيه بصوته لا بسلاحه، يطالب أن يحيا كما البشر.

إن التوتر الذي سيخلقه هذا الحراك الشعبي سيربك العدو، وقد يزيد من تهوره السياسي، وقد يوقعه بفخ التحركات العشوائية غير المدروسة، والتي تقوده نحو كمائن السياسة المحرجة أمام العالم. علينا أن نعمل بوعي وإدراك؛ لتسخير هذا الحراك لخدمة قضيتنا.

سيبدو آذار هذا العام مختلفا، ستزهر أرواح الشهداء، ستنمو إرادتنا؛ لتنتج واقعا جديدا. لنجاح هذا الأمر نحتاج الاستمرارية والثبات، فالأشواط المتقطعة تمنح فرصا للعدو، وربما الجلد بقوة كمرحلة واحدة له تأثير أقوى، فلنكن على قدر المسؤولية، وأن نحاول أن نصيغ واقعا جديدا يليق بنا، وأن نقوم بواجباتنا بأقل الخسائر الممكنة.

سيزحف الربيع مع آذار نحونا، فعلموا الربيع أبجديات الحياة الدائمة، وقولوا: وداعا للمواسم.

مواضيع متعلقة: