الفتى "ليث".. لاعب كرة قدم قنصه الاحتلال من مسافة مترين

رام الله-غزة/ نور الدين صالح

حمل حقيبته الرياضية وخرج من بيته المتواضع في قرية المغيّر الواقعة شمال شرق رام الله، متوجهًا إلى نادي "ترمسعيا" لكرة القدم، حيث يمارس هوايته المفضلة لديه مع باقي رفاقه في فريق النادي.

الشهيد ليث أبو نعيم (16 عامًا) _وقد كان طالبًا في الصف الحادي عشر_ لم يكن يعلم أن مغادرته البيت في 30 كانون الثاني (يناير) الماضي ستكون الأخيرة، وأنه سيعود محملًا على أكتاف المشيّعين كما كان يتمنى.

فعلى صغر سنه كان يردد الشهادة على لسانه باستمرار، وعُرف عنه حبه الشديد لجنازات الشهداء الضخمة، وكان يردد: "أريد زفة تشبه تلك الجنازات"، وحدث ما تمناه في ذلك اليوم، بعدما أطلق جندي في جيش الاحتلال عليه رصاصة مباشرة، حسبما يروي جده فتحي أبو نعيم لـصحيفة "فلسطين".

"أنا طالع على النادي ألعب كرة"، "الله يسهل طريقك"، كان آخر حوار قصير دار بين الطفل وجده الذي أصبح بمنزلة "والده" بعدما أصبح يتيمًا، قبل خروج ليث من البيت، لكنه أخفى خلفه نيته التوجه إلى المشاركة في الاحتجاجات التي يخوضها رفاقه من شبان القرية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي.

في الرأس

رصاصة واحدة فقط من مسافة مترين أطلقها ضابط مجموعة جنود الاحتلال الإسرائيلي، بعدما أخرج سلاحه من نافذة المركبة العسكرية خلال اقتحامهم وسط قرية المغيّر، واقترب من ليث، وصوّبه نحو رأسه، ليرتقي شهيدًا إلى العلا، حسبما يحكي جده "أبو نعيم".

عُرف عن ليث الذي عاش يتيمًا بعد وفاة أمه وهو في سن العامين حبه للوطن ورفضه وجود الاحتلال على أرض فلسطين، لذلك كان سباقًا من بين أقرانه في مواجهة مركبات الاحتلال خلال اقتحامها قريته، ورشقها بالحجارة، رافضًا دخولها.

لكن خروجه إلى المواجهات كان سرًّا، دون علم جده وجدته اللذين تكفلا بتربيته بعد زواج والده بامرأة أخرى، وانتقاله إلى قرية بيت سيرة برام الله، وفقًا لحديث الحاج أبو نعيم.

عندما حلّت ساعات المساء من ذاك اليوم تلقى الجد نبأ استشهاد حفيده ليث، من أحد جيرانه في المنطقة، في تلك اللحظات ضجّت القرية عند تلقيها الخبر الذي وقع كالصاعقة على سكانها.

وعقب ذلك خرجت مسيرة ليلية حاشدة في القرية، على غرار ما كانت تشهده البلاد في ذروة انفعالاتها الوطنية، خاصة حين يتعلق الأمر بشهيد، وكان هتافها الأقوى: "يا ليث إنت بقلبي هوية"، كونه أول شهيد في البلدة منذ قرابة 12 عامًا، إذ استشهد الطفل مناضل أبو عليا (14عامًا)، في 23 كانون الثاني (يناير) 2006م، برصاص الاحتلال خلال مواجهات ليلية في القرية.

بنبرة يملؤها الألم والحسرة يقول الستيني أبو نعيم مُعقبًا على وحشية الاحتلال وقتلهم الطفل: "أطلقوا عليه النار من مسافة مترين بدم بارد بلا رحمة، هؤلاء لا يفهمون إلا لغة القتل، حسبي الله ونعم الوكيل".

في تلك اللحظات أخذ المُسن يُقلب ذكريات طفولة ليث "وحيد أمه"، ويعدد أبرز مناقبه وصفاته قائلًا: "كان اجتماعيًّا وضحوكًا جدًّا، وكل شباب القرية يحبونه كثيرًا".

ومن أبرز هوايات ليث لعبة كرة القدم، كان يُحبها، ويُعطيها غالبية وقته، إلى درجة وصفها جده فتحي أنها "علاقة عشق بينهما".

وبحسب ما يروي كان ليث يُعطي جّل اهتمامه للعب كرة القدم، مع فريقه نادي "ترمسعيا"، في الوقت نفسه يشير إلى أنه حصل على ميدالية من النادي بعد تميّزه في إحدى بطولات كرة القدم.

صمت الجد قليلًا، قبل أن يواصل حديثه مع صحيفة "فلسطين" بكلمات ممزوجة بالحزن والألم: "اليهود لا يختارون إلا الأطفال، لذلك إن الشباب الفلسطينيين يعيشون في مأساة كبيرة في ظل وجود الاحتلال (...) قتل الأطفال أبسط شيء عندهم".

وعند سؤاله عن أوضاع عائلته المعيشية والاقتصادية يجيب بصوت خافت لا يكاد يخرج: "حياتنا صعبة (...) والشكوى إلى غير الله مذلة".

ويُعيل الحاج الستيني أسرة مكونة من سبعة أفراد داخل بيت صغير متواضع، في أحد أزقة القرية، إضافة إلى أن ابنه البكر متزوج، ويسكن معهم في البيت نفسه.

ويصل عدد سكان قرية المغير إلى أربعة آلاف نسمة، وتعاني من اقتحامات شبه يومية من قوات الاحتلال، الذي يمنع البناء على 80% من أراضيها البالغة مساحتها 26 ألف دونم، خاصة الأراضي الواقعة شرق القرية، فضلًا عن إعلانها منطقة عسكرية مغلقة، ويمنع المواطنين من الوصل إليها والاعتناء بمزروعاتهم، حتى إنه يحرم الثروة الحيوانية رزقها هناك.