​الجامعة العربية والدور المفقود

جمال حاج علي
الخميس ٢٣ ١١ / ٢٠١٧

نشأت جامعة الدول العربية عام 1945م، في وقت كانت فيه بعض الدول العربية ترزح تحت الاستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني، وبدأت الفكرة عندما شعرت الدول العربية المستقلة بأن بريطانيا العظمى آنذاك تؤيد فكرة وجود شكل من أشكال الوحدة العربية، على اعتبار أن هذه الدول ستكون تابعة ومؤيدة لها وقد تخدم مصالحها الاستعمارية وتكون جزءاً من نفوذها القادم، وخاصة إذا دعمت فكرة استقلالها وتجمّعها، ففي 24 فبراير 1943 صرح أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا، في مجلس العموم البريطاني بأن الحكومة البريطانية تنظر بعين "العطف" إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية، وعلى إثر ذلك بدأت مصر بالتشاور بداية مع سوريا ولبنان ثمّ امتد الأمر لباقي الدول العربية المستقلة آنذاك وهي السعودية وشرق الأردن والعراق واليمن، لتكون فكرة الجامعة العربية بصورتها الحالية التي لم يطرأ عليها أي تغيير منذ نشأتها، سوى في سلوك أعضائها السياسي من حيث التغيير والانحراف عن أهدافها.

بالمقارنة مع الاتحادات الدولية الناشئة، سواء في أوروبا أو إفريقيا وغيرها، يجد المرء نفسه عاجزاً عن تفسير الدور الذي تقوم به الجامعة العربية لمصلحة بناء دولها ونهضة شعوبها، ففي الوقت الذي نشأ فيه الاتحاد الأوروبي بعد نشأة الجامعة العربية بأكثر من أربعين عاماً، إلاّ أنّ البون الشاسع فيما بينهما من حيث واقع الدولة الواحدة المستقلة أو مستوى حياة الفرد ونهضة هذه الدول من كافة النواحي، عدا عن أساليب الحكم والديمقراطية المتبعة، تجعل المسافة بين دول الجامعة العربية ودول الاتحاد الأوروبي وكأنها قرنين من الزمان. وبالنظر للاتحاد الإفريقي الذي جاء خلفاً لمنظمة الوحدة الإفريقية، والذي تأسس بعد نشأة الجامعة العربية بعشرات السنين، من الملاحظ أنّ دُوله تتقدم باتجاه الديمقراطية شيئاً فشيئاً، ويبدو أنّها بدأت تتعلم درس التداول السلمي للسلطة ولو بصورة أقل نضوجاً من أوروبا، إلاّ أنّها أكثر إيجابية وإشراقاً ممّا يراه المواطن العربي في جامعته العربية ودولها المعتّقة.

لقد أمل المواطن العربي، أن تتشكل له وحدةً تعبر عمّا دعا له قرآنه الكريم تحت " واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا "،

لتكون له درعاً يحميه من أطماع المعتدين، وكذلك ليرى أثر النعمة التي أنعمها الله على غالبية هذه الدول من خيرات؛ تسد بها رمق الجائعين، ولكن ومع مرور الزمن لاحت دكتاتوريات ظالمة لشعوبها، ترسّخ حكم الفرد الواحد وعائلته التي تستفرد بخيرات البلاد والعباد، ثمّ تلجأ بعد ذلك للارتماء في أحضان الدول الاستعمارية الكبرى لتنال منها الخبرة والحماية للنظام، وذلك على حساب الشعوب الفقيرة المغلوب على أمرها، وبذلك تدفع هذه الأنظمة خيرات بلادها ثمناً لبقائها على كرسي الحكم لعشرات السنين.

والحالة هذه فإنّ أي قرارات تستند إلى ميثاق هذه الجامعة ما هي إلاّ قرارات شكلية ومن الصعب تطبيقها إذا كانت تخالف رغبة الحالة الدولية المتنفذة، وهذا ما حدث فيما يتعلق وبالذات في الملف الفلسطيني، حيث أنّ من أساسيات هذه الجامعة القيام بتحرير البلدان العربية غير المستقلة، ومع أنّ دولاً عربية خاضت الحروب لصالح فلسطين وأخرى دعمتها بالمال، فإنّ التاريخ يتكشّف ويظهر منه المستور الذي يكشف لقاءات أعضاء هذه الجامعة سرّاً منذ عشرات السنين بمن يحتل أرضها.

بعد أحداث الربيع العربي والانتفاضات التي قامت بها الشعوب تجاه بعض حكامها، شعرت هذه الأنظمة أنها في خطر محدق، فوُظفت هذه المنظمة العربية الكبيرة لاتخاذ القرارات والإجراءات التي تكبح فيها نهضة الشعوب العربية ومرةّ أخرى بالتعاون مع الدول الاستعمارية الكبرى، وأصبحت علناً تبحث عن وسيلة وذريعة تصالح وتلتقي فيها مع عدوها التاريخي المفترض لتقاتل معه في خندق واحد مخالفة هوى شعوبها والمبادىء التي نشأت من أجلها.

إنّ المبرر القومي والوطني والإسلامي يكاد يكون مفقوداً في هذه الجامعة التي تعبّر عن وحدة أنظمتها في حماية نفسها، وفي السيطرة على مقدرات شعوبها، إنّ استمرار وجود جامعة الدول العربية بشكلها الحالي هو عبء على المواطن العربي وعلى أرضه ومقدراته، وأنّ الخدمة التي من الممكن أن تُسدى لهذه الشعوب؛ هو تفكيك هذا الفيل المنتفخ، ليتشكل بدلاً منه ما يصلح حال الشعوب وأوطانها ويحمي كياناتها المهددة المستنزفة.

لم تُبق هذه الأنظمة ومنظمتها العربية لشعوبها الكثير من الخيارات، بعد أنْ حاربت شعوبها في قوتها وأمنها وحريتها، اليوم وبعد ثورة الاتصالات لم يعد المواطن أعمى فهو يرى ويسمع ويتحين الفرصة لانتزاع حقوقه، فإن فشلت حركة الشعوب مرّة فقد تنجح في أي مرة أخرى.