​بعد إصابتها بالسرطان

المريضة العطّار: كل المصائب تهون أمام فقدك صحّتك

غزة - حنان مطير

أن تكون بصحةٍ جيدة يعني أنك تمتلك نعمةً لا تُقدّر بثمن، وهل هناك أغلى من أن تقف وتمشي وتبتسم وتعمل في بيتِك وتساعد الناس وقت شدّتهم فتتعب، ثم يأتي الليل فتنام هانئًا بلا ألم؟

كانت تلك الخلاصة التي استنتجتها نهى العطار "أم محمد" البالغة 40 عامًا بعد تعرّضها للمحنة التي لم تتوقّع أن تمرّ بها يومًا، حيث اكتشفت أنها مصابةٌ بسرطان الثدي في مجمع الشفاء الطبي بغزّة.

دارت الدنيا بعينيّ ورأس العطّار ولم تتوقف، فذلك الخبيث أمرُه مرعب خاصة حين يسألها الطبيب بتوتّر :"ليش ساكتة على حالك من زمان؟"!"، وتردّ عليه وهي تحت تأثير الصّدمة:" أنتم من أخبرتموني قبل عام أنني لا أعاني إلا من بعض الألياف"، تروي لـ"فلسطين" بعد أن تم استئصال الورم وبعد خضوعها لجلسات الكيماوي.

وتصف:" إنها من أصعب ما يكون، فبعد جلسة الكيماوي بيومين تقريبًا تبدأ الآلام والأوجاع تحاصرك من كل جانب، مغص في البطن وسخونة في اليدين والقدمين، إسهال وقيء وعدم رغبة في تناول الطعام ولا الماء بالرغم من احتياجه الشديد، ناهيك عن المزاج السيئ الذي لا يفارق المريض".

وتقول:" "الحمد لله رب العالمين"، والاستغفار والأذكار، كانت هي الكلمات الأكثر التي تداولتها على لساني بعد أن أصبتُ بالسرطان، فحين تُبتَلى تقترب من الله تعالى أكثر وأكثر، وتصغر الدنيا بعينيك وتشعر بتفاهة الأمور التي كانت في يومٍ ما تقلقك كثيرًا، كأزمة الرواتب، والكهرباء، وضيق البيت والعيش، وتعب العمل، وتفوق الأبناء في المدارس أو عدمه.. إلخ".

وتضيف:" بالرغم من أهمية تلك الأمور وضرورة توفّرها للحياة الآدمية كونها أبسط وأهم الحقوق إلا أن غيابها يهون ولا يعود له قيمة أمام شعورك بأن مرضًا سرطانيًا خبيثَا يتغلغل في جسدك ويسحب صحّتك شيئًا فشيئًا".

وتتابع: "كلما تملّكتني الآلام كنت أدعو الله أن يأخذ وديعته إن كان في ذلك خير لي، وفي أحيانٍ أخرى أتخيّل نفسي -والحسرة في قلبي- أنني أعود لصحتي وطبيعتي ووظيفتي كعاملة نظافة في مجمع الشفاء الطبي، وأرى زميلاتي نفطر سويًا ونعمل سويًا دون أن تساورنا الهموم".

وتواصل:" كم كان يؤلمني أن أرفض تناول الطعام مع زوجي وأولادي نظرًا لشهيتي المسدودة وآلامي الشديدة، فقد كانوا يلوكون الطعام مغموسًا بآهاتي من حولِهم، وأنا غير قادرةٍ على التخفيف عن نفسي ولا عنهم، أما ابنتي البِكر فكل أعمال البيت والمسئولية تحوّلت إليها لتُعلِن عن صبيةٍ مسئولةٍ قادرة، وكم أفتخر بها".

لقد حصلت العطار على "6" جرعات كيماوية، ولم يتبقّ لها بعد إجراء العملية سوى جرعتين تنتظر على أحرّ من الجمر أن تنهيهما، وتعود لحياتِها الطبيعية وسط عائلتها المكوّنة من سبعة أفراد ومن بينهم زوجها الذي لم يُقصّر معها يومًا بل كان خير رجلٍ وسندٍ لها في حياتِها خاصة في محنتها تلك.

تعلق:" معادن الناس تُكتشف في المواقف، وبالرغم من معرفتي الدقيقة بزوجي وبأخلاقه العالية إلا أنني كنت في غاية التوتّر حين أخبرته بمصابي، لكنني فوجئت بأنه يقف معي ويسندني ويدعوني لحمد الله والإيمان بقضائه وقدرِه وعدم ترك اليأس ليتملّكني ويسيطر على تفكيري".

وتواصل:" موقفه هذا لن أنساه ما حييت، ولن أنسى اهتمامه وحرصه على توفير كل احتياجاتي دون تذمّر أو شكوى كما يحدث مع الكثير من النساء اللواتي يتعرضن للإصابة بالسرطان".

وتكمل:" فالرجل في البيت إن لم يكن سندًا لأهل بيتِه وعلى قدر المسئولية الكبيرة التي تُلقى على عاتقه فإن البيت ينهار ويفسد، وقد كان رجُلي رجلًا بكل معنى الكلمة".

"أما "سلفاتي" فكل الحبّ لهنّ، لقد غمرنني بحبّهن فكن كأخواتٍ لي، وقد حرصنَ كل الحرص على تغيير الجو في حياتي وإخراجي من ألمي النفسي، فمرّات عديدة كُنّ يتعمّدن الذهاب لشاطئ البحر من أجلي ومن أجل دفعي للابتسام". تروي لـ"فلسطين" بامتنان.

وتختم حديثها بنصيحة تعلمتها بعد إصابتها بذلك المرض، فتقول:" استَشْعِر النعمة العظيمة التي تعيشها، سواء كانت في صحتك أو في أولادك أو في قلبِك وفي كل شيء حولِك، اشعر بها اليوم وأنت بكامل صحتك فإنك ستعيش سعيدًا حقًا وشاكرًا وحامدًا دومًا، ولا تنتظر أن تمرّ بحادثة مرضٍ أو غيره كي تحسّ بها".