​المصدر قصرٌ أنهكه قصف الاحتلال

غزة / المصدر - أحمد الجوجو

يمتلك قطاع غزة عددًا لا بأس به من الأماكن والمعالم الأثرية القديمة، تلك التي شهدت الحضارات المختلفة المتعاقبة على مر العصور، كونها من أقدم المدن التي عرفها التاريخ.

فهو يزخر بالكثير من الآثار والقلاع القديمة التي ما زالت شاهدةً على أصالته، كالمسجد العمري الذي بُنيَ زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وقصر الباشا الذي يعود أصله إلى العهد المملوكي، والكثير من المعالم الأثرية السياحية.

في مخيم المغازي وسط قطاع غزة -تحديدًا أقصى شرق المخيم- قابلت "فلسطين" بسام المصدر حفيد الحاج فريح المصدر، ليروي لها حكاية ذلك المعلم الأثري الأصيل الذي يرجع عهده إلى العصر العثماني، إنه قصر الحاج "فريح فرحان المصدر".

يقول المصدر: "أنشئ قصر المصدر عام 1930م في عهد الحكم العثماني لقطاع غزة، وهو قصر تتجاوز مساحته 500م، ومبني من حجر "الحثان" أجود أنواع الحجارة في تلك المدة، ويتصف بسماكته وقوته، فقد يصل عرض الجدار المصنوع من حجر الحثان داخل أروقة القصر إلى 40 سم".

ويبلغ عدد الغُرف داخل أروقة القصر 6 غرف، وتُقدر مساحة الغرفة الواحدة بأكثر من 40 مترًا مربعًا، وفيه مطبخٌ واسع المساحة ودورتا مياه، ويحوي القصرُ أيضًا ثلاثة "بدارم" أرضية كانت تستخدم لتخزين المحاصيل الزراعية كحبوب القمح والشعير ومؤونة العام.

ويلفت إلى أنه في عام 1950م طال قصر الحاج فريح المصدر تفجير ضخم قام به جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما أدى إلى تدمير غرفةٍ بأكملها، وإلحاق أضرارٍ طفيفة ببقية أنحاء القصر بسبب قوة ذلك الانفجار.

وفي السبعينيات من القرن الماضي (1970-1979م) استولى الاحتلال الإسرائيلي على قصر المصدر، بسبب موقعه الإستراتيجي (على منطقةٍ مرتفعة عن سطح البحر)، إذ استعمره وجعله ثكنةً عسكريةً مميزة للرصد وكشف تحركات الثوار وقتها، إلى أن انسحب منه أواخر عام 1979م.

ويروي الحفيد التقاء جده الحاج فريح المصدر الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمون" داخل القصر، للتحاور في كيفية تسهيل وتأمين وصول السلاح إلى المجاهدين في مدينة القدس، لمساعدتهم على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وطرده من القدس الشريف.

ولعظمِ شأنه عند القادة زار العديد من قيادات الشعب الفلسطيني قصر المصدر وجلسوا فيه، والتقطت لهم بعض الصور التذكارية على جدرانه المتهالكة، منهم: الشهيد د. عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والقائد الشهيد سعيد صيام، والعديد من القادة، وكان للشهيد سيد قطب أحد أعلام جماعة "الإخوان المسلمون" نصيبٌ في زيارته.

ويلفت المصدر إلى أنه في الحرب الأخيرة على قطاع غزة عام 2014م طال قصر المصدر قصف عنيف طال أروقته كافة، وضربته عشرات القذائف المدفعية، ما أدى إلى تدميره كليًّا، فلم يبقَ منه سوى بعض جدرانٍ متهالكة وقطع أثرية مدفونة تحت ركام القصر، كآلة طحن الحبوب (الرحى)، ومهباج القهوة (يُستخدم لطحن حبوب البن قديمًا)، والكثير من أثاث القصر الذي قد لا تستطع تمييزه أو التعرف إليه، فمنه المحترق كليًّا، ومنه ما تراكم عليه الغبار والأتربة فبات يغلُبُ عليه اللون الرمادي بفعل وجوده تحت أنقاض القصر.

ويشار إلى أن الحاج فريح المصدر المولود عام 1909م مجاهدٌ فلسطيني، وشيخ عشيرة النصيرات الضاربة جذورها في صحراء النقب الفلسطيني، وعرف عنه أنه من أحد أبرز الرجال وأقواهم عزيمة، ومن أبرز رجالات الإصلاح على مستوى فلسطين، وهو أحد مؤسسي محكمة العشائر في بئر السبع، وكان يحمل عضوية الهيئة العربية العليا التي أعلنت الإضراب عام 1936م في وجه الانتداب البريطاني، وكان له الكثير من التضحيات إلى أن توفاه الله عام 1984م عن عمر ناهز 75 عامًا.