​المثقف المشتبك والمقاومة بالكتاب

مصطفى أبو السعود
الثلاثاء ٠١ ٠٥ / ٢٠١٨

حينما يسعى العدو لإشغالك بغذاء بطنك لـ"تكون كالأنعام"، ثم تنجح أنت في إثبات ذاتك ككائنٍ لا يعيش ليأكل فقط، بل يأكل ليعيش ويمارس دوره النهضوي في بناء حضارة عربية إسلامية جذورها في التاريخ راسية ورأسها في عنان السماء، فاعلم أنك عضوٌ في مؤسسة ترفع شعار "أمة اقرأ.. تقرأ".

وعندما ترفرف الهموم أمام ناظريك وتقف في دربك تزرع شوك اليأس والإحباط، لكنك تصر على القراءة، فاعلم أنك عضو في مؤسسة ترفع شعار "أمة اقرأ.. تقرأ".

ومن هذا المنطلق وتحت شعار "أمة اقرأ.. تقرأ" نظمت بلدية رفح بالتعاون والتنسيق مع مديرية التربية والتعليم معرضًا للكتاب في مكتبة بلدية رفح، والذي ضم العديد من دور النشر، وهو ما يعبر عن مدى اهتمام هذه المؤسسات بالشأن الثقافي، فإدارة مكتبة البلدية تحرص دومًا على تزويد المكتبة بكل جديدٍ وفق الإمكانيات، وهي دائما تسعى لإحداث نقلة نوعية في الكتب من أجل تقديم أفضلها للقراء، وتهتم المكتبة أيضًا بالشباب من خلال برامج الأنشطة الشبابية.

كلنا يعرف ما للكتاب من أهمية كبيرة في صناعة الوعي والنهضة سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي، فهو الصديق الذي يعطيك أكثر مما تعطيه، وكلما كانت درجة قربك منه كبيرة، كانت فائدتك أنت كبيرة جدًا، وأن حبك للكتاب يعني تنفيذك لأول أمر رباني نزل من السماء إلى الأرض "اقرأ"، وهذا يعطي القراءة شرفًا وقيمة عظيمة للقارئ وللقراءة، فالقراءة تصنع من قارئ اليوم قائدا للغد، فهي غذاء الروح، وكأن الله يريد لنا أن نغذي عقولنا بما يساعدنا على الاستمرار والبقاء وفق المنهاج السوي ، لأن الفعل "يقرأ" يساوي الفعل "يبقى ويرتقي".

إننا في فلسطين إذ ننظر للكتاب والتعليم على أنه رأس مالنا الوحيد في ظل سعي الاحتلال لطمس عقولنا وحشوها بأفكاره الخبيثة، فإننا أحوج ما نكون إلى نهضة ثقافية علمية تتخذ القراءة شعارها الوحيد ليدخل الكتاب مع البندقية في المعركة مع الاحتلال على اعتبار أن البندقية وحدها لا تكفي، فالمقاتل الواعي أشد خطرًا على الاحتلال من المقاتل الجاهل، وهذا عبر عنه المثقف المشتبك الشهيد باسل الأعرج، لذا علينا إعداد جيلٍ واعٍ ومثقفٍ يحمل هم الدين والوطن على بينة ويسير بها حتى يصل إلى برّ الأمان، وقد أعجبني الشباب الفلسطيني المثقف حين نظموا سلسلة قراءة بشرية في مسيرة العودة.

ختاما علينا التأكيد أن القراءة ليست مجرّد هواية أو طقسًا من طقوس الترف أو الترفيه التي يمارسها الإنسان بشكل يومي، أو أسبوعي وشهري أو سنوي، بل هي مفهوم عميق يتجاوز فك الخط وقراءة الحروف والكلمات، فالقراءة تمسح الغبار عن العقول، وتزيل الغشاوة عن الأبصار، فحينما يقرأ الإنسان، تتفتح خلايا عقله، وتصبح أكثر نضجًا، ويصبح صاحب رؤية وليس تابعًا، إننا نقرأ بحثًا عن القوة، ليس بمعناها المادي، بل بمعناها الروحي والعقلي والإنساني، فهي تصنع جيلًا رائدًا عملاقًا يواجه صعوبات الحياة بحكمةٍ، وليس بتهوّر، يواجهها بعضلات عقلية، وليس بعضلات جسدية فقط، فاليد التي تتصرّف من دون إذن من العقل، هوجاء.

إن إعجابي بفكرة المعرض لا تنسيني ما لدي من ملاحظات عليه، وهذا من باب المحبة، وهي أن عدد دور النشر لم تكن بالكثير، ثم إن المعرض افتقر لفقرات أخرى مثل ندوات أو لقاءات مع كتاب أو أصحاب مؤلفات خاصة من غزة، ولم يأخذ صدى إعلاميًا يليق به، لكنه رغم ذلك يبقى جهدًا رائعًا.