الشهيد أبو مصطفى.. حكاية اللقاء الأخير مع "لمياء" في مخيمات العودة

​غزة/ نسمة حمتو:

لحظات قليلة فصلت بين اللقاء الأخير للمسعفة لمياء مع زوجها الجريح غازي أبو مصطفى، أثناء مشاركتهما في مسيرات العودة وكسر الحصار قرب السياج الفاصل شرق خانيونس جنوب قطاع غزة.

انطلق كل منهما إلى مكانه، فراحت لمياء (35 عامًا) تُسعف المتظاهرين الذين قنصهم جنود الاحتلال، ومن بينهم زوجها غازي(43 عامًا)، الذي لم يأبه لإصابته بساقه اليمنى التي تعرض لها خلال مشاركة سابقة له في المسيرة.

غازي وقف على عكازين خشبيتين، بعيداً مئات الأمتار عن موقع المواجهات بين الشبان وجنود الاحتلال، ينتظر انتهاء الفعاليات ليعود برفقة زوجته إلى المنزل، حيث أطفالهما الخمسة بانتظارهما، قبل أن تباغته رصاصة إسرائيلية مباشرة قاتلة في رأسه لتسقطه شهيدا مضرجا بدمائه.

وتقول لمياء: "لم تثنه الإصابة عن المشاركة في مسيرات العودة، كان يمشي على عكازيه، كنت أبحث عنه وسط المتواجدين في مسيرات العودة أخشى أن يكون قد تعرض لإصابة جديدة، حتى تحقق الكابوس الذي كنت أخشى منه".

"لم تشفع إصابته في ساقه وعدم قدرته على المشي له, عند قنّاصة جيش الاحتلال، الذين أطلقوا النار على رأسه مباشرة بلا أي رحمة"، تضيف لمياء بحزن وألم كبيرين.

وتابعت: "لا أدري كيف لهذا الشخص المصاب أن يهدد أمن (إسرائيل)، أن تخترق الرصاصة رأسه ليموت على الفور، أن تحرم 5 أطفال من والدهم، كان لهم السند والصديق والأب وكل شيء بالنسبة لهم".

وتشير لمياء إلى أن زوجها غازي كان ينتظر دوره في السفر للخارج لعلاج قدمه، مضيفةً: "كان لا يقوى على المشي ولا الحركة ولكن رغم ذلك كان مصمما على المشاركة في مسيرات العودة".

أما عن اللقاء الأخير الذي جمع لمياء بزوجها فقالت: "ذهبت معه إلى مسيرة العودة مبكراً جلسنا نتحدث لمدة تزيد عن الثلاث ساعات حتى بدأت الجماهير تتوافد على المكان، ذهب هو للمشاركة في المسيرة وأنا ذهبت لأكمل عملي كمسعفة في المكان".

وأضافت: "كنت أشعر بالأمان في وجوده بجانبي، فقد كنت أخشى عليه في كل مرة أراه فيها، ولكنني في الوقت ذاته أشعر بالطمأنينة لأنه بجانبي، وعلى الرغم من انشغالي في العمل في كل مرة إلا أن عيني كانت لا تتوقف عن البحث عنه بين المتواجدين حتى أطمأن أنه لا زال بخير".

وتابعت: "قبل استشهاد غازي بلحظات أخبروني أن هناك إصابة في الفخذ وعليّ نقلها إلى مجمع ناصر الطبي في خانيونس، صعدت إلى الإسعاف وفي طريق العودة تلقيت خبر إصابته ولكنني عند وصولي إلى المكان وجدت عددا من زملائي في حالة حزن داخل المستشفى الميداني التابع للهلال الأحمر".

ومضت لمياء تقول: "كنت أحاول أن أكذب عيني وأن أرى المسعفين حوله يحاولون إسعافه بالتنفس الصناعي، لم أصدق أن زوجي الذي تركته لمدة نصف ساعة فقط كي أنقل أحد المصابين قد استشهد, رحل دون أن أقدم له الإسعافات كما كل مرة، لطالما نقلت عشرات الجرحى ورأيت الكثير من الجثث ولكن هذه الصدمة مختلفة تماماً ".

وأردفت: "إصراره وإيمانه بالعودة كانا يدفعانه للمشاركة في مسيرة العودة (..) دائماً كان يقول لي أتمنى أن أموت شهيدا، كنت في كل مرة أحاول منعه من الحضور للمكان ولكنه يفاجئني بعد خروجي من المنزل لأجده أول المشاركين في المسيرات".

رزان النجار

وحول عملها كمسعفة في مسيرات العودة، تقول لمياء: "درست التمريض منذ زمن وتفرغت لتربية أبنائي، ولكن غازي عندما رأى الشهيدة رزان النجار وشجاعتها في الميدان عرض عليّ التطوع للعمل في الميدان، كنت أمازحه وأقول ألا تخاف خسارتي ولكنه كان يقول لي بأن أجر التطوع كبير جداً".

وأكملت: "منذ ذلك الوقت وأنا أعمل متطوعة مع المسعفين في مسيرات العودة بتشجيعه ومساندته لي، كان يتصل بي ويطلب مني أن لا أقترب كثيراً من السياج الفاصل، أن أحافظ على نفسي من الغازات السامة والرصاص الطائش، كان نعم السند لي ولأطفالي افتقدوا أبا عظيما تمنى الشهادة ونالها".

وإصابة أبو مصطفى في ساقه بمسيرة "العودة" لم تكن الأولى، فقد أصيب برصاصة إسرائيلية في عينه اليُسرى خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية نهاية ثمانينيات القرن الماضي، أفقدته النظر، واستبدلها بصناعية، كما أصيب مرة ثانية في انتفاضة الأقصى عام 200.