​الشهيد العالول تطيّب وتزين فنال ما تمنى

صورة أرشيفية
غزة - شيماء العمصي:

على ما يبدو أن من يقترب من الشهادة يستشعر بعض المشاعر الخاصة التي تجعله يقوم بأفعال لم يكن ليقوم بها في وقت سابق، وهو ما فعله بطل حكايتنا لهذ اليوم الشهيد علي سعيد العالول (55 عامًا)..

"فلسطين" هاتفت ابنه سعيد والذي حاول التماسك قليلًا وهو يحكي ما فعله والده صبيحة الجمعة التي تحمل الرقم العشرين في فعاليات مسيرات العودة الكبرى، قبل أن يرتقي شهيدًا برصاصات الاحتلال الإسرائيلي.

سعيد يقول: "يبدو أن أبي كان يشعر في هذه الجمعة أنه سيلقى ربه شهيدًا، فذهب قبل صلاة الجمعة للحلاق وتجهز على أكمل وجه، وكأنه سيذهب للقاء مهم"، مشيرًا إلى أنه ليس من عادة والده الحلاقة يوم الجمعة وخاصة قبل الصلاة.

بعد تنهيدة حارة حملتها أسلاك الهاتف إلينا: "بعد الانتهاء من الصلاة، اجتمعنا جميعًا على مائدة الغداء، وأخذ يلقي أبي بالوصايا علينا، لكننا قابلناها بالمزاح كما العادة"، منوهًا إلى أن أخته الصغرى قالت له: "كل مرة تقول لنا نفس الكلام وتذهب وترجع للبيت, نحن اعتدنا على ذهابك لمسيرات العودة".

ولربما كان يشعر شهيدنا علي سعيد العالول, أن الجمعة العشرين هي الجمعة الأخيرة له شرق رفح، فقد كان – كما يروي ابنه سعيد - يقول لكل شخص يراه: "إن الشهادة قربت جدًا وإنه يراها على مرمى نظره".

الشهيد العالول دأب على المشاركة في مسيرات العودة الكبرى منذ اليوم الأول لانطلاقها في الثلاثين من آذار / مارس الماضي، ودافعه في ذلك أن يكون له سهم في رفع الحصار عن أبناء شعبنا المكلوم، وفق ابنه.

فقد كان متعلقًا جدًا بالمشاركة في كل فعاليات مسيرات العودة على مدار الجمع الماضية كلها، فكان يذهب قبل صلاة العصر بساعة إلى مخيم العودة شرق محافظة رفح, ولم يكن يجبر أحدًا من أفراد عائلته على القدوم معه، وكان يصحبه من يريد من أولاده.

وكان الشهيد العالول يتقدم الصفوف الأمامية بكل همة وعزيمة, ويساعد الشباب في حمل الكوشوك، وفي تسيير الطائرات الورقية، وكان يسعى دائمًا لأن يكون من الشباب الذين يقصون السلك الزائل بين رفح والأراضي المحتلة.

ويتابع ابن الشهيد حديثه: "والدي بدأ العمل عاملاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وفي عام 2008 اتجه للعمل الخيري في جمعية الصلاح الخيرية والجمعية الاسلامية".

وينوه إلى أن والده سعى للعمل في نطاق العمل الخيري لمساعدة الناس المحتاجين, ولكن قبل ما يقارب العام ونصف أقيل والده من العمل بسبب تقليص الجمعيات لبعض موظفيها بسبب الظروف الصعبة التي كانت تواجه قطاع غزة.

هذا الأمر كان بمثابة كارثة للشهيد، لأنه لديه ديون كثيرة يسعى لسدادها, فلم يكن بيده سوى عرض البيت للبيع لسداد الدين, وما زال البيت حتى هذه اللحظة معروضًا للبيع.

ولربما هو حديث مع نفسه بصوت عالٍ، فقد شرد ذهنه قليلاً، وهو يقول: "لدى والدي خمسة ذكور وفتاتان، ومن الذكور اثنان متزوجان، ويسكنان في ذات البيت معنا، ووالدي كان من يعيلنا جميعًا، الآن لم يعد لنا معيل سوى الله، وسنحاول جاهدين سداد دينه وإعالة الأسرة".

ويرجع سعيد بالزمن إلى يوم الجمعة وهو يستذكر اللحظة التي بلغهم فيها خبر استشهاد والده، فيقول: "كان الخبر فاجعًا جدًا، حتى أن إخوتي الأكبر مني سنًا افتعلوا النزاع بينهم وبين الناس لعدم تصديقهم للخبر".

واختنق الكلام في حنجرته وتغير صوته، وهو يتابع: "والدي الشهيد أصيب في آخر ساعات يوم الجمعة أي ما يقارب الساعة السادسة والنصف مساءً, كانت إصابته بالغة الخطورة, حيث باغتته رصاصتان في الصدر من رصاصات الاحتلال الإسرائيلي؛ نقل على إثرها الى مستشفى غزة الأوروبي, ولكن بعد ساعتين من مكوثه في غرفة العمليات فارقت روحه الحياة ليرتقي شهيدًا".

سعيد ليس الابن البكر للشهيد لكنه كان أقرب الأبناء إليه في أواخر أيام حياته، وكان يوصيه دائمًا حين استشهاده بأن يحمل عنه المسؤوليات وأن يبذل جهده بالكامل لسداد الدين المتراكم عليهم, لأنه يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين.

"فلسطين" حاولت نقل دفة الحوار لزوجة الشهيد، حيث تقول: "زوجي كان متسامحًا جدًا ومحبوبًا لدى الكثير من الأشخاص كونه يعمل في مجال العمل الخيري لدى الجمعيات الخيرية".

وأخذت نفسًا عميقًا أقرب لتنهيدة قوية، وتكمل: "كان يحب العمل الخيري كثيرًا, وكان يسعى لمساعدة المحتاجين، حتى أنه كان يفضل مساعدة الناس على مساعدة وتوفير ما يلزم لأهل بيته".

هنا لم تحتمل الاحتفاظ بقوتها، وانهارت باكية على الهاتف، وبصعوبة استخلصنا منها: "حين تلقيت خبر استشهاده بدأت بالتكبير وحمدت الله على ما أصابني؛ رغم أن الخبر كان صدمة كبيرة جدًا لي".

ولكن كنت سعيدة جدًا – وفق قولها - في نفس الوقت لأنه نال الشهادة كما كان يتمناها, والغريب أنه في آخر جمعة له وحين خروجه من البيت شعرتزوجته أنه سيغادر على قدميه وسيرجع محمولًا على الأكتاف.. إلى هنا وإكمال الحديث غدا صعبًا جدًا لتنتهي قصة شهيد آخر فدا "فلسطين" بروحه.