​الشهيد "دار يوسف".. استدعته مخابرات الاحتلال قبل عام على "صمته"

رام الله / غزة - يحيى اليعقوبي

السادس والعشرون من يوليو/ تموز 2018، كان محمد طارق دار يوسف (17 عاما) يُخفي خلف صمته عاصفة من الغضب، لم يشعر بها أقرب المقربين إليه، حتى مع والديه، أمضى يومه بشكل طبيعي حتى آخر ساعة له بينهم.

بعدما استيقظ "محمد" في ذلك اليوم، صلى الفجر كعادته في المسجد القريب من منزله في قرية كوبر شمال رام الله بالضفة الغربية المحتلة، وقرأ القرآن كما اعتاد، وانطلق هو وشقيقه الأصغر لمساعدة والدهما عامل البناء في الدهان بإحدى الورش في مدينة الرام.. يقول والده لصحيفة "فلسطين": "إن محمد بدا هادئاً جداً في حالة طبيعية، لم تظهر عليه أي ملامح في نظرات وداعية أو كلام يحمل في طياته إشارات أنه لن يعود".

استمر محمد مع والده وشقيقه حتى انتهى العمل عصراً، وعادوا إلى منزلهم، يكمل والده: "في الطريق ذهبت إلى مركز دعوي في مدينة رام الله، وطلبت من محمد وشقيقه شراء الخبز للعائلة من مركز المدينة ثم العودة للمنزل".

لكن عند موقف السيارات المؤدي إلى بلدة كوبر، حيث يزدحم المكان بالسيارات والعمال الذين يستمرون في الاصطفاف على طابور الانتظار والتفتيش والإذلال لساعات أمام حاجز لقوات الاحتلال، قال محمد لشقيقه "دقائق وأعود"، فظن الأخير أن الأمر اعتيادي كون طابور الانتظار يستغرق وقتاً طويلاً لكي تتحرك السيارة التي تقلهم.

الذي لا يعلمه شقيقه، أن محمد ذهب إلى مستوطنة آدم جنوب شرق رام الله، وهناك نفذ عملية طعن، يضيف والده: "الجميع تفاجأ بهذه العملية، كون محمد ليس لديه أي انتماءات حزبية، ولم يصدر عنه أي مواقف سابقة، كالمشاركة في مسيرات ضد قوات الاحتلال، أو الفعاليات المناهضة له".

شقيق محمد الأصغر حينما شعر بتأخره، اتصل على عمه خالد يطلب منه الاتصال بأحد معارفه بموقف السيارات ليسأل عنه، وظلت العائلة تتفقد أثره ومكان تواجده حتى انتشر الخبر بعد ساعتين بتنفيذ عملية طعن، ومن ثم بدأت صوره تنتشر من مكان العملية وهو ممدد على الأرض ودماؤه تنزف، بعد طعنه ثلاثة مستوطنين قتل أحدهم، وارتقى هو شهيداً.

هدم المنزل

في صبيحة اليوم التالي للعملية، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة كوبر وداهمت منزل الشهيد، فيما وجّه ضباط مخابرات الاحتلال أسئلتهم المعتادة لوالد الشهيد حول إن كان هناك دوافع لتنفيذ ابنه لعملية الطعن، وأسبابها، وإن كان يعاني من مشاكل نفسية أو أسرية، أو أن هناك من أرسله، ويضيف والد الشهيد: "بعدما نفيت وجود أية دوافع، والرد على أسئلة الاحتلال، أخذوا قياسات البيت وهددوا بهدمه".

عُرف عن محمد، والكلام لوالده، تعلقه بالآخرة وحبه للدين والصلاة وتلاوة القرآن وكثرة طرح الأسئلة الدينية، وأنه ليس لديه ارتباطات بالتنظيمات، وكان يبر والديه كثيراً، ولا يقضي كل وقته خارج المنزل، بعد العشاء يعود سريعاً إلى المنزل، ويزيد: "كان واعياً لما يدور حوله، يرى ويشاهد جرائم الاحتلال، يشاهد مآسي أهلنا في غزة وفي كل مكان، ويتأثر في الواقع الذي يعيش فيه".

محمد الذي كان يدرس في الصف الحادي عشر له ستة أشقاء (أربع بنات وشقيقان)، حسبما يذكر والده، وهذا هو العام الأول له الذي خرج فيه إلى العمل ليتعلم الدهان، وأنه لا يعرف أي شيء خارج بلدة كوبر، حتى محافظة رام الله لا يعرفها، ولم يشاهد في أي يوم مستوطنة "آدم".

استدعاء في "عوفر"

بالعودة إلى عم الشهيد، خالد دار يوسف، يذكر لصحيفة "فلسطين"، أن محمداً شخص صامت، كان يعبّر عن حسه الوطني بالكتابة على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، الأمر الذي استدعته مخابرات الاحتلال بشأنه، بمقرها في "عوفر" قبل عام، وذهب حينها برفقة والده.

"نعلم أنك لا تخرج ولا تشارك بالمسيرات، وليس لك علاقة بالتنظيمات الفلسطينية، لكن نريدك ترك "التحريض" على مواقع التواصل"، كان الكلام من ضابط المخابرات خلال المقابلة، كما يروي عم الشهيد، ثم قال الضابط لوالده وحمل كلامه تهديداً مبطناً "خليه يبطل هالشغلات بدناش نغلبه".

ويثني على ابن شقيقه "محمد شاب ذكي، لم يظهر عليه أنه يريد فعل شيء، خرج مع والده كالمعتاد، تمتع بعقلية واعية نظيفة، كان يهتم بلباسه ومظهره الخارجي، يدرك ما يحيط به ويرى الإهانات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون على الحواجز والعقوبات الجماعية التي يفرضها الاحتلال، وتعنت المجتمع الدولي، وهذا كله أثّر في شخصيته، لكن كان يخفيه ولا يشعر به أحد".