خبر عاجل

إقرأ المزيد


​أمضى 8 أعوام في الأسر

الشهيد "عمار الطيراوي".. أعدم بدم بارد برصاص الاحتلال

الشهيد عمار الطيراوي
رام الله / غزة - يحيى اليعقوبي

ما إن أسدل الليل ستاره وبدأ السكون الداكن يخيم على المكان الجبلي في منطقة "العين الجديدة"، القريبة من قرية كفر عين شمال غرب محافظة رام الله، حتى دارت تفاصيل وأحداث الكثير منها ما زال مجهولا باعتقال قوات الاحتلال أهم شاهد في هذه القضية، وهو لطفي الطيراوي، ابن عم الشهيد عمار أحمد الطيراوي وزوج شقيقته الذي كان معه لحظة استشهاده فجر أمس.

بداية القصة، كعادته يذهب عمار الطيراوي (34 عاماً)، الذي يسكن في قرية "كفر عين" يوميا للعمل من الساعة الثامنة صباحا وحتى العاشرة ليلا في أرض زراعية تقع بالقرب من بيت شقيقته في "العين الجديدة" وهي تتبع للقرية، ففي هذه المنطقة لا يوجد سوى بعض العائلات.

أما لطفي الطيراوي زوج شقيقة عمار ففي العادة يرسل زوجته إلى بيت "عائلتها" حينما يكون لديه عمل مسائي، حسبما يروي شقيقه صهيب الطيراوي التفاصيل لصحيفة "فلسطين"، فما إن انتهى عمار ولطفي من أعمالهما تواصلا هاتفيا مع بعضهما، وعلى إثر ذلك ذهب عمار لبيت شقيقته ليبدل ثيابه.

اتصل لطفي بزوجته في منتصف الليل وأخبرها أنه سيأتي هو وشقيقها لمنزل والدها، قطع الاثنان مسافة كيلو متر مشيا بين الطرق الترابية وصولا للطريق العام الذي تتواجد فيه قوات الاحتلال، حيث ارتقى عمار شهيداً.

ويكمل صهيب مستغربا: "نستبعد على الإطلاق أن يخوض عمار اشتباكا مسلحا، لأنه كان يخطط للزواج، وزوج شقيقتي "لطفي" أخبرنا باتصال هاتفي أنهما قادمان".

"جهزي حالك بدي أجي آخدك" هذا آخر ما قاله لطفي لزوجته، ويواصل شقيق الشهيد: "في هكذا تفاصيل كيف ستحدث عملية الاشتباك"، من أين جاء السلاح"، ويستدرك:" لو أن السلاح موجود فهذا شيء يشرفنا، ولكن هذا الأمر لم يحدث، والرواية الإسرائيلية تحاول تضليلنا".

استشهد عمار وأصيب لطفي الذي ما زال معتقلا لدى قوات الاحتلال. تنتظر العائلة خروجه لمعرفة تفاصيل ما جرى أو محاولة زيارته عن طريق "الارتباط" التابع للسلطة الفلسطينية، لتضع العائلة النقاط على الحروف حول ظروف الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال.

"ما زلنا نجهل كم المدة التي احتجزهما فيها الاحتلال قبل إعدام عمار وإصابة لطفي"... تتواصل أسئلة شقيق الشهيد في لحظة الألم والمعاناة، فكان الاثنان بمنطقة خلاء وطرق ترابية، وأكثر ما يدلل به صهيب على صدق روايته: "لو كان هناك اشتباك لحدث بالمناطق الترابية التي تكثر فيها السواتر الترابية، ولكن عملية الإعدام حدثت في الطريق العام "الإسفلت" وبالعادة لا توجد هناك نقاط لجيش الاحتلال، ولكن يبدو أنه كان هناك انتشار لجنود الاحتلال في تلك المنطقة".

طال غياب الاثنين، وبدأت هواجس عادية تراود شقيقة الشهيد عن شقيقها وزوجها، حاولت الاتصال بزوجها لكن "لا يمكن الوصول إلى الهاتف"، أخبرت أشقاءها بالأمر، لكن أكثر اعتقادهم أن الاثنين أخذا غفوة وغالبهما النوم، كأي وضع طبيعي بعد يوم عمل شاق أمضاه عمار في عمله، ولم تدرك العائلة أنه استكمل ليلته في دار "الخلود" شهيدا.

وفي الصباح وبعد توارد الأنباء عن اسم الشهيد عبر وسائل الإعلام، يزيد شقيق الشهيد: "كنت قد وصلت عملي، وإذ بأشقائي وأصدقائي يتصلون يستفسرون عما جرى، وهكذا علمنا بنبأ الاستشهاد الذي صدمنا".

"الاحتلال ادعى أن شقيقي حاول الاشتباك مع جنوده، لكننا نستبعد ذلك جدا، نظرا لطبيعة المنطقة والموقف في القرية، فهنا لا يوجد مجال لعملية طعن بسكين، لذلك ادعى أنه قام بالاشتباك المسلح. لم يذهب أخي إليهم بل جاء الجنود وأعدموه" هنا يفند شقيق الشهيد رواية الاحتلال.

في يناير/ كانون الثاني 2001، مع سخونة أحداث انتفاضة الأقصى أصيب عمار بجروح بالغة حينها لم يتجاوز (17 عاما)، وظل يستكمل علاجه، إلا أن قوات الاحتلال اعتقلته بشهر يونيو/ حزيران بذات العام، وقضى سبعة أعوام حتى أفرجت عنه بشهر ديسمبر/ كانون أول 2007م.

وكان عمار قد عمل في جهاز الأمن الوطني التابع للسلطة خلال الفترة من عام 2001 وحتى 2009م، تزوج ورزق ببنت ولكن مسيرته الزوجية لم تكتمل، واعتقله الاحتلال مرة أخرى عام 2014م، وأمضى مدة عام خلف القضبان.

احتسى شقيق الشهيد جرعة من الصمت ذابت بين قطرات أجهشت صلابته وتماسكه، وأثنى على شقيقه: "عمار شخص صادق لا يحب الكلام الكثير، لا ينتظر أن تطلب منه المساعدة بل يهم بذلك من تلقاء نفسه"... تسحبه الذاكرة إلى بعض المناقب في حياة الشهيد قائلا: "لا أنسى موقف أخي عمار معي بيوم زفافي فقد تكفل بنصف تكاليف الزفاف دون أن أطلب منه... كان الأخ الصادق الحنون".

يخرج ما به من ألم حزنا على فراق أخ غال: "نريد العيش بأرضنا، لا نريد أن نهان على حواجز الاحتلال، أصبحنا نموت بأي لحظة، لأن أحد الجنود اتخذ قراره بأن "يتسلى" ويقتلنا".