الشهيد "قينو" فتى بألف رجل

نابلس-غزة/ يحيى اليعقوبي

ما إن أسدل الليل ستاره في ليلة باردة من ليالي كانون الثاني (يناير) حتى خيم السكون على قرية عراق بورين جنوب نابلس، وفي هذه الأجواء كان الفتى علي قينو (17 عامًا) يجلس مع والدته، التي كانت تشاهد مقطعًا على هاتفها المحمول لبكاء سيدة فلسطينية على رحيل نجلها الشهيد.

سأل علي والدته: "ماذا تفعل أم الشهيد عندما يرتقي ابنها؟"، رفعت نظراتها إليه وردت بهدوء: "بتعيط (تبكي)، وبتزغرد".

"لو استشهدت إيش بدك تعملي؟" عاود سؤالها مرة أخرى ممازحًا، لم تجبه وسألته ممازحة إياه: "بتشفعلي يا علي؟"، واستمر الحديث بينهما حتى ساعات الفجر.

اليوم التالي الذي بدا هادئًا كان فارقًا في حياة عائلة قينو، كما تروي والدته رائدة لصحيفة "فلسطين".

ذهبت الوالدة صباحًا إلى زيارة "سِلْفتها"، وفي أثناء تبادلها الحديث معها إذا علي يخرج من باب بيته متجهًا نحو مركز مدينة نابلس للحلاقة واشتراء ملابس، كما أخبر والدته في المساء، مستعدًّا لحضور حفل زفاف ابن عمه.

"علي" نادت والدته من أمام المنزل نجلها، الذي بدت عليه العجلة قائًلا لها: "راجع راجع ما بتأخّر"، لم يهدأ قلب الأم فاتصلت به هاتفيًّا لخشيتها عليه.

وعلي كان كارهًا للاحتلال، قاذفًا له بالحجارة، ولأن الأخير يخشى حتى حجارة الشباب الفلسطينيين العزل هدده عبر الهاتف بالاغتيال أو الاعتقال، بقوله: "سأصلك أينما كنت، حتى لو في حضن والدتك".

جاء اتصال الأم بعد معرفتها بقدوم مجموعة من المستوطنين مع جيش الاحتلال لاقتحام مدخل مدينة نابلس، تستعيد الأم ذلك المشهد قائلة: "كنت خائفة عليه، وأردت أن يعود للبيت من أي طريق مختصرة".

أخبر علي خلال الاتصال والدته أنه سيحاول سلوك طريق مختصرة حال الانتهاء من الحلاقة واشتراء الملابس الجديدة، وبعدها اتصل به والده الذي زار نابلس لكي يصطحبه معه إلى المنزل، لكن علي أخبره أنه لم ينته من اشتراء الملابس.

الساعة الرابعة والنصف على مدخل قرية عراق بورين نصبت قوات الاحتلال حاجزًا، وتعمدوا إيذاء المواطنين، الأمر الذي استفز شبان القرية وأهل مدينة نابلس.

وبينما كانت قوات الاحتلال تعتدي على المواطنين أصيب علي برصاصة في رأسه، لدى عودته من اشتراء الملابس.

التصدي للاحتلال

وعن أصعب لحظة مرت بها في حياتها تقول الوالدة: "كنت مطمئنة أن ابني بخير، لكن في أثناء جلوسي بالبيت أخبرت من حولي أني أشعر كأن رصاصة اخترقت جسدي"، حينها اتصلت بزوجها، الذي لم يرد، فازداد خوفها، فاتصلت بابنها الأكبر، كان الخوف يسيطر على قلبها، لكنه قال لها: "علي أصيب في يده".

لكنها ظلت غير مطمئنة، وعاودت الاتصال بزوجها الذي طلب منها الحضور إلى مستشفى "رفيديا" بنابلس، وعلى الفور توجهت إلى هناك، وما إن وصلت إلى عتبات المشفى حتى سجدت تلجأ إلى الله، بنبرة صوت هادئة وكأنها تعيش الموقف نفسه تكمل: "أخبروني أنه مصاب، لكني طاوعت قلبي وذهبت مباشرة، وجدته شهيدًا، بمجرد أن نظرت إليه كأنما تبسم لي وفتح عينيه".

الحزن يخيم على نبرة صوتها، توقفت قليلًا عن الكلام، ثم استرجعت ذكرياتها مع ابنها: "مرنحو 40 يومًا على استشهاده، لكن أشعر أنه استشهد أمس، كلٌّ هنا يفتقده".

"ما زال جموع المعزين يأتون منزلنا من أنحاء نابلس كافة، أمس استقبلنا وفدًا من طلبة مدرسته، لا أحد يفارقنا؛ فكلٌّ يشهد بأخلاقه وأنه لم يؤذ أحدًا في حياته".

وعلي لديه ثلاثة أشقاء بينهم بنت، وكان طالبًا في المرحلة الثانوية، ودرس إلكترونيات في مدرسة للصناعة والحرف، وطالما كان مبعث فخر لأسرته.

تتمم أمه: "عرضنا عليه أن يتزوج وبناء شقة له، مع ذلك اختار طريق التصدي للاحتلال ومستوطنيه تاركًا عروض الدنيا".