الشهيدة ذات الرداء الأبيض

جبريل عودة
الأحد ٠٣ ٠٦ / ٢٠١٨

تدخل مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار, الشهر الثالث ولا زالت بذات الزخم والعنفوان الشعبي, ويحافظ الحضور الجماهيري على مستويات التحدي والتمسك بأهداف المسيرة, ويظهر الإصرار على التواجد من فئات متنوعة – نساء, أطفال, كبار السن - بالرغم من رصاص الاحتلال وغازه الخانق، وكأنها رسالة الصمود الفلسطيني في وجه آلة القمع الاحتلالية, الجمعة العاشرة كانت استثنائية سواء كان ذلك شعارها " من غزة إلى حيفا وحدة الدم ومصير مشترك ", أو بارتقاء الشهيدة المسعفة رزان النجار برصاص قنص صهيوني شرق خان يونس.

كان شعار المسيرة في جمعتها العاشرة "من غزة إلى حيفا "، بمثابة خارطة الحق الفلسطيني, فالوطن واحد , على امتداد جغرافيته المخضبة بدماء الشهداء , يفضح التزوير الصهيوني ويطمس أوراق بلفور التي تحاول سرقة فلسطين منذ مائة عام , ويفشل قرارات ترامب التي تسعى لصبغ الأرض الفلسطينية بمداد الزيف الصهيوأمريكي , ومع صرخات المنتفضين في ميادين العودة تخرس كل الأفواه النتنة المستعربة بلسان أبا رغال , والتي تبرر لــ " كيان الإجرام والعدوان" , احتلاله للأرض المباركة فلسطين وتدنيسه للمسجد الأقصى المبارك , ويعلو صوت الحقيقة الأبدية مع دفقات الدم الحر من شرايين الثوار , ليكتب القول الفصل إن فلسطين للفلسطينيين , لا تقبل التجزئة ولا القسمة , ولا تخضع لأهواء صبية السياسة أو مقامرات اللاعبين على الجراحات الفلسطينية في بازارات الخيانة الدولية , فلن تستطيع صفقة الشيطان الأمريكي أن تغير التاريخ أو تشوه وجه فلسطين النقي , وقد كتب شعبنا بالدم الفصل الأول من كتاب هزيمة صفقة القرن , عبر تضحيات مسيرات العودة وإصرار أجيالنا الفلسطينية على التمسك بالحقوق والثوابت الوطنية .

من غزة إلى حيفا , شعب واحد يسري في عروقه الدم الفلسطيني , رغم لقاح الأسرلة الذي حقن فيه الجزء الأسير من الوطن منذ احتلاله عام 1948 م , فكانت المناعة الوطنية أقوى وأقدر على رفض هذا الدخيل الخبيث , فهتفت الجماهير في حيفا ويافا غضباً للدم الفلسطيني النازف في غزة هاشم , وتعلن أن المصير مشترك , فما يسعى إليه الفلسطيني المحاصر في غزة من طلب الحرية والاستقلال , هو ما يتطلع له الفلسطيني في يافا وحيفا والرملة وبئر السبع , هذا هو الهدف الإستراتيجي لمسيرات العودة , والذي أعاد للقضية الفلسطينية اعتبارها كقضية تحرر وطني , حيث يسعى شعبنا الفلسطيني بحراكه الوطني الشعبي ومقاومته الباسلة المسلحة إلى الانعتاق من الاحتلال البغيض.

يقف الاحتلال بكافة أذرعه السياسية والعسكرية والأمنية , عاجزاً أمام مسيرات العودة واستمراريتها وتفاعل الجماهير الفلسطينية معها , والذي يمنحها حيوية وتطورا , في كل يوم تحمل أفكارا جديدة وإبداعية في حقل المقاومة الشعبية وأدواتها المتنوعة , لذا يحاول الاحتلال قمع هذه المسيرات بزيادة وتيرة إطلاق الرصاص المحرم دولياً , وإيقاع الخسائر والإصابات الصعبة في صفوف المشاركين من المدنيين , سعياً لتفريق الجماهير الفلسطينية وإبعادها عن فكرة مسيرات العودة وأهدافها الوطنية , لذا نرى أن الاحتلال يستهدف الفئات التي يرى فيها عاملاً مساعداً , في استمرار هذه المسيرات على نفس الوتيرة من قوة الحشد الجماهيري , وحدث هذا في استهداف الاحتلال المتعمد للإعلاميين والصحفيين , حيث استشهد اثنان منهم هما ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين , وإصابة العشرات من فرسان الصحافة برصاص الاحتلال , وكذلك استهداف الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف , وهذا ما حدث مراراً وتكراراً منذ انطلاق مسيرات العودة وكسر الحصار .

وتأتي جريمة إعدام الشابة الفلسطينية ذات الرداء الأبيض المسعفة رزان النجار برصاص جندي صهيوني حاقد ، يشاهدها عبر منظار القتل المثبت على بندقيته ، ويراها بوضوح بهيئتها كمسعفة ، لا تشكل أي خطر عليه ، تقوم بواجبها بإسعاف الشبان الذين يتعرضون للإصابة بالرصاص أو الاختناق من الغاز ، فلماذا قتلها ؟ ببساطة لأنها فلسطينية , تقف في ميدان إشهار الحق الفلسطيني ، في وجه الباطل الصهيوني الأسود ، حتى لو كانت مشاركتها تحت مظلة الحماية الدولية للطواقم الطبية ، فالبلطجة الصهيونية تضرب بسيف أمريكا كل القوانين والمواثيق والأعراف.

الشهيدة رزان النجار , نموذجاً للشباب الفلسطيني , الذي ينتمي للقضية وينخرط في المهمات الوطنية , دونما دعوى من أحد , أو انتظار جائزة من هنا أو هناك , هذه النماذج الفلسطينية الحية من المشاركين في مسيرات العودة , لم يحركها إلا نداء فلسطين والعودة , فلم يتأخروا واصطفوا في طوابير العزة , وقدموا أروع آيات البذل والتضحية , وهل أعظم تضحية ممن يقدم روحه في سبيل الغايات الكبرى , هكذا هي الشهيدة رزان وكافة شهداء مسيرة العودة , يعرفون جيداً ما يفعلون ولديهم درجة من الوعي الإيماني والوطني ما يجعلهم يستطيبون التضحية بالنفس بكامل الرضى والإقدام , تضحيات شهداء مسيرة العودة وكسر الحصار عظيمة وجليلة , لن نسمح أن تضيع أو تُسلب بعيداً عن تحقيق الأهداف الوطنية التي ارتقى الشهداء على طريق تحقيقها مهما عظمت التضحيات .

مواضيع متعلقة: