الولائم الرمضانية تحت سيف الأوضاع المادية

غزة/ فاطمة أبو حية:

من أبرز العادات في الشهر الفضيل تنظيم الولائم لطعام الإفطار ودعوة الأقارب لها، لكن هذه العادة غابت عن كثير من البيوت الغزيّة في شهر رمضان الحالي، بسبب الظروف المادية الصعبة التي يمرّ بها الفلسطينيون في قطاع غزة، والناجمة عن الحصار وقطع الرواتب وغيرها من مسببات تضرر دخل معظم الأسر.

ليس ككل عام

تزوجت "نجوى دياب" قبل اثني عشر عامًا، ومنذ ذلك الحين اعتادت دعوة عدد من المعارف والأقارب لتناول طعام الإفطار في بيتها في شهر رمضان من كل عام، لكنها لم تفعل ذلك في رمضان الجاري.

تقول لـ"فلسطين": "في الأعوام الأولى كنت أدعو للإفطار عائلتي وعائلة زوجي، ولما تزوج بعض إخوتي وإخوته صرت أدعوهم مع عائلاتهم، فزاد عدد المدعوين، إضافة إلى وليمة واحدة على الأقل لأصدقاء زوجي، وأحيانًا صديقاتي".

وتضيف: "هذا الكم من الولائم مرهقٌ ماديًّا، لكنني كنت أتحمل التكلفة لأنال أجر تفطير الصائمين وصلة الرحم، أما اليوم فلا طاقة لي بالأمر".

تتابع دياب: "في رمضان الحالي أعددت وليمتين مصغرتين، واحدة لوالدي زوجي، والأخرى لوالديّ، وكانت المأكولات فيها محدودة ومتواضعة، بخلاف ما اعتدت، إذ كنت أعدّ أكثر من صنف في الوليمة الواحدة".

وتشير إلى أن زوجها موظف تابع لسلطة رام الله، وهو كغيره من موظفي السلطة يعاني من خصومات كبيرة من الراتب.

اتفاقٌ مناسب

"إيمان الرائد" تعاني من المشكلة نفسها، فزوجها كذلك موظف سلطة، لكن ما يهوّن عليها الأمر قليلًا أنها تعمل في مؤسسة خاصة، ومع أن راتبها تراجع في الأشهر الأخيرة بسبب تضرر المؤسسة من أوضاع القطاع لا يزال يوفر لها مصدر دخل يسدّ العجز الناجم عن الخصم من راتب زوجها.

لم تشأ أن تقطع عادة جمع الأقارب على الإفطار في بيتها، لذا قررت أن تتحمل التكلفة، ولو اضطرت إلى الاستدانة.

تقول: "بعض إخوة زوجي رفضوا تلبية الدعوة، وذلك لعدم قدرتهم على توجيه دعوة مماثلة لنا".

وتضيف: "بعد هذا الموقف اتفق الإخوة على عدم تنظيم ولائم موسعة، وأن يكتفي كل منهم بدعوة والديه فقط".

وترى أن هذا الاتفاق مناسب جدًّا لحالة الغزيين في هذه الأيام، وأنه لابد من تعميم الفكرة حتى لا يتحمل أحد تكلفة عالية، ولا يقع أحد تحت الحرج بسبب الدعوات التي تُوجه له.

"وليمة بيت العائلة"

"هشام عبده" هو الابن الذكر الوحيد لأسرته، توفي والداه قبل أعوام، فصار بمنزلة الأب لأخواته الخمس، وفتح بيته لهن ليكون مثل "بيت العائلة" تمامًا.

لاشك أن "وليمة رمضان" من الأساسيات في "بيت العائلة"، لذا يقيم "عبده" مأدبة رمضانية كبيرة، يجمع فيها أخواته وأزواجهن وأبناءهن، إضافة إلى عمتيه الاثنتين وخالاته الأربع، ويحضّر لهنّ ما لذ وطاب من المأكولات.

يقول: "يمرّ عليّ رمضان هذا العام وأنا مُثقلٌ بالديون، تلك الديون اقترضتها من هنا وهناك لأوفر أبسط أساسيات الحياة لأبنائي".

ويتساءل: "كيف لشخص أرهقته الديون أن يدعو الضيوف لتناول الطعام في بيته وهو غير قادرٍ على توفيره لأبنائه؟!".

يضيف عبده: "أوشك رمضان أن ينتهي وأنا لم أجد حلًّا بعد، مصمم على دعوة أخواتي، لكن لا أعرف من أين سأوفر احتياجات الوليمة؟!".

قرارٌ أبويّ

ولإزاحة "شبح الوليمة" عن الأبناء أصدر الأب قرارًا ألزم به أبناءه، مفاده: "لا دعوات لتناول الطعام في رمضان الحالي، فالأحوال لا تسمح".

وتتحدث زوجته "سحر عبيد" عن القرار: "في العادة يدعوننا أبنائي المتزوجون لتناول طعام الإفطار في بيوتهم، وكذلك يدعو بعضهم بعضًا".

تتابع: "هذا العام يأتي رمضان في أوضاع مالية صعبة، ونحن ندرك ما يمرّ به أبناؤنا، ونتفهم عدم قدرتهم على تحمل تكلفة الولائم، لذا وجدنا أن الصواب هو إغلاق هذا الباب".

وتشير عبيد إلى أن أبناءها رفضوا القرار في البداية، وحاولوا كثيرًا أن يقنعوها وزوجها بتلبية دعواتهم، لكن الإصرار كان سيد الموقف.

تضيف: "أنا وزوجي مرتاحان جدًّا إلى هذا القرار، شعرنا أننا أعفينا أبناءنا من عبءٍ لا داعي له".

مواضيع متعلقة: