​تخرجت في كلية الشريعة والقانون

الزهراء أبو الكاس.. بنور البصيرة تشقّ حياتها التعليميَّة

صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

ما إن وطئت قدماها أرض الجامعة تملكتها حالة من الخوف، فالجامعة ليست كالمدرسة محصورة بفصل وسبورة ومعلمة، وإنما عالم مختلف؛ قاعات دراسية متعددة ومحاضرون كثر ومنهاج متغير، ورغم صعوبة الأسابيع الأولى في الدارسة الجامعية لا سيّما بعد أول موقف عايشته عقب المحاضرة الأولى إذ خرجت جميع الطالبات، وبقيت بمفردها بالقاعة لم تعرف أين تذهب وكيف، كما أنها لم تعتَد على طلب المساعدة من أحد بعدما فقدت بصرها، فاتصلت بمركز التقنيات للمساعدة وقررت مواصلة طريقها.

فقدان تدريجي

الزهراء محمد أبو الكاس (23 عامًا) من سكان بيت لاهيا شمال قطاع غزة، فقدت بصرها بعد إصابتها بمرض نادر، فاختارت طريق الإرادة والتحدي لتكمل مشوارها التعليمي، وأكملت دراستها عن طريق الصوت لعدم تعلمها لغة "بريل" لتتخرج في كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بمعدل "جيد جدًا".

كانت تعيش حياتها كالناس الطبيعيين، تلعب وتلهو كما الأطفال، تحب قراءة القصص وخاصة صفحة الأحداث في الصحف، وفي الصف الخامس الابتدائي أصيبت بالتهابات شديدة، ثم اكتشفوا الأطباء أنها بكتيريا منتشرة في جسدها بسبب إصابتها بمرض نادر يصيب واحد من كل عشرة مليون شخص، والذي أثر على عينيها بشكل تدريجي حتى أفقدها أعظم نعمة ألا وهي البصر وهي في الصف الحادي عشر.

وقالت أبو الكاس: "أصبح شعور الألم والوجع في العينين لا يفارقني، التهابات شديدة، واحمرار بهما، والتصاقات ونزيف، وزيارات دائمة للأطباء وقطرات طبية ومراهم، وإبر في العين لوقف النزيف والقضاء على الالتهاب والحفاظ على البصر، ولكن لا فائدة، حتى حصلتُ على تحويلة طبية لمستشفى "هداسا" في القدس".

استمرت في تلقي العلاج ما يقارب عاما كاملا وهي تتنقل بين غزة والقدس، وتجري عمليات جراحية في العين، حتى عاد بصرها بنسبة 95%، فالفرحة ملأت قلبها، وشعرت بعظم هذه النعمة، تصبح وتمسي تتفقد ما هو حولها، وأشياء فترة مرضها لم تكن تستطيع رؤيتها، كما انتهت مخاوفها من الذهاب للأطباء وأخذ إبر في العين.

ولكن الصدمة التي كانت أقوى من المرة الأولى التي علمت فيها بمرضها أنه عاد إليها المرض بكل قوة ليسبب لها هذه المرة ضمورا في العين ويقضي عليها مرة واحدة وليس تدريجيًا كما فيالسابق.

وأد للأحلام

بدأت أحلامها تتناثر، ولم تعد تراها كما السابق، خاصة أنها كانت مقبلة على مرحلة مصيرية الثانوية العامة في الفرع العلمي، وكانت تحلم أن تلتحق في الجامعة بتخصص التحاليل الطبية أو الكيمياء إلا أن ما حدث معها جعلها حبيسة البيت لتنقطع عن الدراسة مدة عامين وأكثر، وأضافت: "كيف أعود وأنا لا أعلم شيئًا عن معالم الحياة الجديدة، وكنت أعتقد أن فاقد البصر يحتاج إلى شخص آخر يرافقه أينما ذهب كظله، يساعده في قيامه وجلوسه، وأكله وشربه، وذهابه وإيابه، ودراسته، كما أنه شخص ليس اجتماعيًا وستفرض عليه عزلة إجبارية".

حاول أهلها اقناعها بتنمية أي هواية لتسلية وقتها، إلا أن الرفض كان سيد الموقف، في نهاية عام 2013م وصلت لها هدية وهي عبارة عن مصحف بلغة "بريل"، لمست بأناملها الأحرف بداخله، ولم تعرف قراءة شيء، فهي ليست كالأحرف التي تعلمتها طيلة سنواتها الدراسية السابقة، فعليها تعلم اللغة لتتمكن من القراءة.

وأوضحت أبو الكاس أنه كان من المستحيل مجرد التفكير في إكمال التعليم، رغم أن الحسرة كانت تعتلي قلبها كل عام في موعد إعلان نتائج الثانوية العامة، وقررت البحث عن مراكز لتعلم لغة بريل لأتمكن من قراءة القرآن، فاقترحوا عليها في المركز بإكمال تعليمها، لترد عليهم باستهجان: "وكيف أتعلم وأنا لا استطيع القراءة ولا الكتابة؟"، فاقترحوا عليها التعلم بطريقة الصوت.

وعندما سمعت بذلك كانت كالغريق الذي تعلق بقشة، وافقت على إكمال تعليمها ونسيت ما ذهبت إليه، فسجلت دراسات منزلية في العلوم الإنسانية، وأحضرت التسجيلات الصوتية للمناهج الدراسية رغم عدم توافر هاتف محمول ذي إمكانات عالية، كما واجهت صعوبات في الحفظ، ولكن استطاعت تخطى هذه المرحلة بمعدل 73.1%، رغم ما كانت تسمعه ممن حولها "أنتِ مستحيل تنجحي، وإذا نجحت لن تحصلي أكثر من 50%".

صعوبات ومشكلات

وتابعت حديثها: "رغم الصعوبات التي ممكن أن أواجهها في الجامعة لكنني التحقت فيها دون تفكير، بكلية الشريعة والقانون، استطعت تخطي الصعوبات التي واجهتها في الأسابيع الأولى من الجامعة بعدما تعرفت على صديقات وزميلات في الكلية، لأتنقل معهم في المحاضرات، كما أن دكاترة الجامعة لم يشعروني بالشفقة يومًا ما، بل على العكس كانوا عونًا لي".

خلال المرحلة الجامعية واجهتها مشكلة عدم توافر كتب الصوت، والمنهاج الجامعي طويل وكان يحتاج منها إلى جهد مضاعف خاصة فترات الامتحانات، فكانت تصل ساعات الدراسة إلى أكثر من 11 ساعة متواصلة تفقد خلالها التركيز، والاعتماد في الدراسة على السماعات كان يسبب لها الصداع وألم في أذنيها، ومع ذلك كانت كثيرًا ما تذهب للامتحان وهي غير منتهية من دراسة المنهاج.

العلاج الوحيد لدى أبو الكاس هو إجراء عملية زراعة للعينين، وهذه العملية لا يمكن إجراؤها إلا في دولة تمتلك إمكانيات طبية عالية، ولديها شعور تراه بنور البصيرة أنه لا يزال هناك أمل بعودة بصرها، وتطمح بإكمال دراسات عليا في كلية الشريعة والقانون.

مواضيع متعلقة: