​أمهات يوازنَّ بين تكنولوجيا الاتصال واندماج أطفالهن في الواقع

غزة - مريم الشوبكي

هي تريد أن ترتاح من شقاوة طفلها ذي السنوات الأربع؛ تعطيه "الجوال" ويجلس مشدوهًا أمام مقاطع الفيديو والألعاب التي لا تنتهي، وبعدها تبدأ تشكو أن طفلها بات عنيفًا لا يعرف سوى الصراخ والضرب، إضافة إلى تراجع مستواه الدراسي.

أصبحت الكثير من الأمهات يستغثن بالاختصاصيين النفسيين، ويبثثن إليهم شكواهن، والمخاوف التي تعتريهن، بسبب تغير سلوكيات أطفالهن، نتيجة تمضية ساعات طويلة برفقة الأجهزة الذكية، وتأثيراتها السلبية المختلفة: تراجع المستوى الدراسي، وتأخر النطق أو نطق الكلام بطريقة غير صحيحة، والانطواء.

تقول زكية جعرور (50 عامًا): "التكنولوجيا سهلت الكثير من أمور حياتنا، لكنها أفرزت الكثير من المشكلات السلوكية، خاصة لدى الأطفال".

تضيف جعرور لـصحيفة "فلسطين": "حفيدتي كانت تشاهد التلفاز، لاسيما قنوات الأطفال التي تبث الأناشيد، كانت تتفاعل وتردد ما تسمعه، ثم أصبحت تمضي ساعات طويلة على الجوال، وهنا بدأت المشكلة، أصبحت صامتة لا تريد الحديث، وصل بها الحال إلى رفض الطعام والشراب، وتريد فقط الاستمرار في اللعب على الجوال، وهذا كله وهي فقط في سن أربع سنوات".

التواصل

آلاء عبيد (30 عامًا) كأي أم كانت تعطي طفلتيها هاتفها المحمول حتى ترتاح من مشاغباتهما، شعرت بنوع من الراحة، ولكن سرعان ما راجعت نفسها بعد أن انقطع التواصل بينها وبينهما.

تتحدث عبيد لصحيفة "فلسطين" عن تأثير موقع (يو تيوب) ومواقع الألعاب الإلكترونية على طفلتيها: "كنت أعطي كل واحدة من بناتي (آي باد) ولا أسمع لهما صوتًا، كانتا تستمعان إلى الأناشيد باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية وتعلمتا أمورًا كثيرًا، ولكني فجأة شعرت بأن التواصل معهما انقطع".

تتابع: "لكي أعيد التواصل منعت عنهما هذين الجهازين، وشجعتهما على اللعب معًا، وأشاركهما فيه أيضًا، لتفرغا طاقتهما باللعب والرسم والحركة، فعاد التفاعل الاجتماعي إلى شخصية كل منهما من جديد، بعد أن كادت الأجهزة الذكية تنسيهما إياه".

المستوى الدراسي

ومن الاستشارات النفسية التي وردت إلى الاختصاصية النفسية إكرام السعايدة شكوى لأم من تعلق طفلها بجهاز (آي باد)، هذا التعلق عزله عن الدراسة بعد أن كان متفوقًا، وأصبح مشتت الذهن لا يركز في الحصص المدرسية، وكانت إجاباته في الاختبارات تنم عن تشتت في الانتباه.

تبين السعايدة أن الأهل اعتقدوا في البداية أن (آي باد) سيكون وسيلة لرفع ذكاء ابنهم، ولكن النتائج كانت عكس ذلك تمامًا.

وكان لمشاهدة مقاطع (فيديو) على موقع (يو تيوب) تأثير سلبي على طريقة نطق الطفلة "حلا" التي تبلغ من العمر خمس سنوات، إذ انعدم تفاعلها الاجتماعي، وأصبحت دائمًا صامتة تشاهد هذه المقاطع على جوال والدتها، حسب قول خالتها حنين الحربي.

أما الطفل "يزن" الذي تصفه والدته آيات عاشور بأنه عنيد وعنيف ودائم البكاء فلكي تتخلص من بكائه كانت تجلسه ساعات طويلة على (تابلت)، وتكمل أعمالها المنزلية بهدوء بعيدًا عن مشاكله مع إخوته وأخواته الأكبر منه.

ولكن حدث ما لم يكن في حسبان "عاشور"، إذ تعلم حركات أكثر عنفًا، إضافة إلى أنه أصبح في سن خمس سنوات ونطقه ليس سليمًا، وطوال جلوسه على الجهاز الذكي لا يصغي لنداء والدته، ويرفض الذهاب إلى اللعب مع أخيه وأبناء عمه، كما كان في السابق.

أما آلاء عبد الباري فتعاني مع ابنها مثل سابقتها، إذ لاحظت تعلقه الشديد ببرامج الأطفال التي تبث على (يو تيوب) وتعرض أفعالًا عنيفة ومنافية للآداب، وتأثيرها الكبير على ذهنه، وتحدثه الدائم باللغة الفصحى.

وتبين عبد الباري لصحيفة "فلسطين" أنها حينما شعرت بخطر هذه البرامج على شخصية طفلها تعاملت فورًا مع الأمر حتى تحتوي نتائجه السلبية، فباتت تغلق التلفاز والأجهزة الذكية في البيت وترسله إلى اللعب مع أبناء عمه في حديقة المنزل.