​اقبل اعتذاري يا حبيب روحي

د. زهرة وهيب خدرج
الاثنين ١٦ ٠٧ / ٢٠١٨

أكتب لك يا حبيب قلبي بكل جوارحي، وقلبي وعقلي وروحي.. كلمات تخرج من أعماق قلبي.. أكتبها لك بالدموع والألم والحسرة.. والكثير من الندم والأمنيات ..

حبيب قلبي:

أود الاعتذار منك على عدد لا يحصى من الأشياء التي تأكل قلبي حسرة الآن، ولا أدري إن كنت ستقبل اعتذاري أم لا..

برغم سذاجة هذه الحادثة إلا أنني سأبدأ كلامي بها، فقد طلبت مني في الصباح أن أصنع لك "أقراصاً من الزعتر" طعاماً للإفطار.. رفضت طلبك صارخة في وجهك: أنا مشغولة اليوم، فلدي ضيوف سيحضرون في المساء، ولا بد أن يكون البيت برغم ضيقه الشديد نظيفاً مرتباً، ويتحتم عليَّ تحضير حلوى أقدمها لهم.. سأصنع أقراص الزعتر غداً وربما بعد غد..

لم يدر في خلدي ولو للحظة أن البيت سيمتلئ عن آخره بالمعزين في ساعات المساء.. والذين سيحضرون لتعزيتي باستشهادك.. وأنك لن تتناول إفطاراً بعد ذلك اليوم معنا، بعد أن نفذ عمرك وانتهت كل صلة لك بعالمنا.

قبل يومين يا مهجة قلبي كنت تحدثني عن آمالك وأحلامك:

- سأصبح طياراً يا أمي.. سأقود طائرة من غزة وأجوب بها بلاد العالم، سأرسم وروداً وبسمات على سطحها، حتى إذا عبرت أي مكان وشاهدها الأطفال، فرحوا وابتسموا، ولوَّحوا لي بأيديهم.. أتمنى لو لم يكن هناك ظلم في العالم، لو لم يكن هناك احتلال بغيض يحرم علينا الحياة والسعادة والأحلام والتحليق في الجو.

ضحكتُ حينها، وذكَّرتك قائلة:

- نحن مُحاصرون يا بني، مُضيق علينا.. بلدنا مهدمة.. وكأن الحياة أبت إلا أن تغادرها.. فكيف لك أن تطير في جوها بطائرتك؟ كن واقعياً يا بني.. لا تُكثر من الأحلام التي تعذبك وتؤرقني حزناً عليك وعلى صباك المهدور.

لقد استكثرت عليك حتى مجرد الحلم يا بُني.. وأعض أصابعي الآن ندماً على ذلك.. فلماذا لم أتركك تحلم على أقل تقدير؟؟؟

وبرغم كلامي الـمُثبط، فقد قلت لي حينها:

- لن نبقى محاصرين إلى ما لا نهاية يا أماه.. أقسم لك بأن الحصار يوشك على الانتهاء.. فغزة ستنتصر.. وبين عشية وضحاها سننتصر. أتعلمين لماذا يا أمي؟ لأن غزة شريفة تدافع عن كرامتها وشرفها الذي تأبى أن تقايضه بحفنة من الأموال والممتلكات، حتى وإن بدا الأفق مظلماً شديد السواد في الوقت الحالي.

كنتُ دائماً محصورة الفكر في الواقع القاتم المؤلم الذي نعيشه، فكلما عرَضتَّ عليَّ فكرة ما، ذكَّرتك بواقعنا المر هذا.. حتى أنك حين طلبت مني أن أخطب لك إيناس، ابنة جيراننا، رفضتُ بحدة.. فأين ستذهب بها؟ أين ستسكنها؟ كيف ستنفق عليها؟ أين... كيف... هل... متى... من أين؟؟؟؟؟؟؟ أرهقتك بأسئلتي التي تولغ في مفردات الحصار.. فزدتك بسلبيتي حصاراً فوق الحصار، وضيقاً فوق الضيق..

تجوبني الكثير من التفاصيل الآن، وتقرع أجراس الحزن داخلي معلنة الحداد والسواد.. بعد أن حزمت آمالكَ وأحلامكَ التي أبيتُ أن أستوعبها وأؤمن بها مثلك، ورفضها العالم الأرضي الظالم وأصرَّ إلا أن يكسرها ويحطمها على شواطئه بقوة، ولم يسمح لها ولا بأي شكل من الاشكال أن تنداح على رماله الناعمة وحتى فوق صخوره الصلبية، وحرَّم عليك حتى الأحلام.. والتي ساهمت أنا أيضاً في حرمانك حتى من أبسطها.

حتى إذا جاء قرار رحيلك الذي أخفته الأقدار، ثم أعلَنَتْهُ على حين غزة، هوت بي فجأة وتركتني أقع على شفا الحصار مصدومة.. غير مصدقة بأنك رحلت بهذه السرعة الخاطفة، خرجت من البيت تستنشق بعض الهواء هرباً من الحر القائظ تحت سقف الصفيح.. وكأن الصاروخ المجرم كان بانتظارك.. ليمزق جسدك، ويبتر أحلام، ويترك آمالك أشلاء ممزقة. أحبس دمعاتٍ حارة تحاول الفرار من عيني، وندم يسحق رأسي ويغتصب حزني.. وأتمنى أن تسامحني وتقبل اعتذاري.. ولولا أن هذه الطريق التي مضيت في دربها لا يعود منها الذاهبون.. لتمنيت أن تعود.. لأعوضك بعضاً مما فات..

ولكن.. هل فعلاً يمكننا تعويض ما فات؟؟؟؟؟

ليته يكون كذلك.

مواضيع متعلقة: