​أصوات تنوير أم أبواق دعاية

كثيرًا ما تستوقفني مواقف وتحليلات يطلقها عدد من "قادة الرأي" على مواقع الإعلام الاجتماعي، لأتساءل حول حقيقة الدور الذي يؤدونه خدمةً للقارئ. فالمفترض بهم تحليل الأحداث وتفسيرها، وتقديم الرأي والمشورة حولها بموضوعية وعمق، دون الانزلاق نحو هاوية الترويج لأجندات بعينها، أو إشباع حاجات نفسية، لا تخدم صالح الجمهور.

بيئتنا الشبكية الفلسطينية مليئة بهؤلاء، ولم يعد معيار القُرب من السلطة أو التمتع بالمكانة الاجتماعية عاملان يحددان من هو قائد الرأي، فالتكنولوجيا أسهمت في تغيير مفهومها التقليدي، ليشمل كل فرد يحظى بمتابعة جماهيرية كثيفة، يستطيع من خلالها نشر وترويج آرائه، وإن خالفت أو تماهت مع هوى السلطة.

هذه الحرية ذات الحدين، مع ما يكتنفها من شعوبية فوضوية، أسست لحالة ثقافية سطحية، لا تأخذ بالحسبان شروط التخصصية، أو عميق المعرفة والخبرة. فما يميز قائد الرأي عن غيره، قدرته على ابتكار الأفكار، وتوجيهها بشكل مهني مدروس، دون الالتفات للمخاطر المحتملة. لهذا، فسمات المعرفة المتخصصة، والرؤية بعيدة المدى، إضافة للحيوية وحسن الاتصال التفاعلي، هي التي ننطلق منها لتمييز قائد الرأي الحقيقي عن المزيف.

ولسنوات عدة، كان قادة الرأي يتوسطون العملية الاتصالية، ويؤسسون لأجندة الجمهور، عبر تحديد القضايا التي تستحق الاهتمام والمتابعة. أما اليوم، ومع تغير الزمن، أصبح الجمهور فاعل أساسي في ترتيب الأولويات، مع ما يعنيه من ارتهان لأهواء شبه شعبية، تختلف في رؤيتها عن تلك التي تريد لها جهة ما إن تتصدر. خطورة هذا الأمر على الحالة الفلسطينية، أنه سمح بظهور ألوان من "قيادة الرأي" لا يمكن وصفها إلا بالكارثية، لاتخاذها عدة أشكال كـــ"الناقل الإخباري"، أو "مقتبس الأفكار"، أو "صاحب التعليق"، وغيرها من الأنواع التي لا تحتكم لمقاييس تصنيف تقليدية، بل تعتمد معايير رقمية، كعدد المتابعين أو حجم المشاركة والانتشار. هذه الصنوف لا تبرع في صناعة جمهور واعٍ، ولا تملك مقدرة ربط الأفراد بالواقع المأمول، بقدر ما تنحى إلى تغذية الخلاف وسوء التقدير، وإن بدا تلقائي غير مقصود.

هذا التحول في مفهوم وهوية قائد الرأي ألقى بظلال سلبية على نوعية الأفكار المطروحة، وطريقة تناولها ومعالجتها. فالرأي أو المعلومة السطحية لا تستجلب إلا مناقشات ومناكفات سخيفة، لاعتمادها على تفاعل جماهيري مفتوح، لا يقتصر على المختصين؛ إضافة إلى أن مبعثها لا يتصل برغبة عملية في إيجاد الحلول، بقدر ما يرتبط بنزعة تسعى للظهور والشهرة، أو تعبر عن ممارسة دعائية ترى في أخطاء الآخر فرصة للهجوم والتشنيع.

نحن أمام ظاهرة ترسخ تأثيرها، وباتت تقود النقاش العام باتجاهات بعيدة عن الصالح الوطني، ليصبح قائد الرأي الحقيقي رهن تفاهة وسطيحة من يرى في نفسه شخصية عامة، لها الحق في التعليق المطلق على كل شاردة وواردة، ضمن إطار سياسي أو اجتماعي ضيق، ملأت الحزبية جوانبه. وأخيرًا، وبقدر ما أسهمت تكنولوجيا الاتصال في إيجاد بيئة ديمقراطية للنقاش الموضوعي البناء، إلا أنها جلبت وبنفس المقدار عالمًا سفليًا مظلمًا، يتخذ من الكراهية ونبذ الآخر أسلوب حياة.. والله المستعان.

مواضيع متعلقة: