​أثمان الدخول في الكواليس الدولية

د. عبد الستار قاسم
الخميس ١٦ ٠٨ / ٢٠١٨

ما أعنيه بالكواليس الدولية هو مختلف اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات السرية والعلنية وما يجري فيها من مناقشات ومداولات بين مختلف الأطراف وما قد ينتج عنها من تفاهمات واتفاقيات. وهذه كواليس منتشرة في مختلف أنحاء العالم، لكن سخونتها ترتفع مع حجم وقوة الدول والأطراف المشاركة فيها.

فمثلا لا نتوقع لكواليس دول أوروبا الشرقية أن تكون ذات صدى عالمي يؤثر بصورة جذرية على السلم والأمن الدوليين، لكن كواليس الدول الكبرى وبعض وكلائها في المنطقة العربية حول القضية الفلسطينية تتميز بصدى واسع وبانعكاسات على أوضاع السلم والحرب في المنطقة العربية.

فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية هناك بيئة بكواليسها يفرضها الأقوياء في المنطقة وأقوياء الدول العالمية من خارج المنطقة. هذه بيئة يصيغها ويحدد معالمها وسماتها الأقوياء، ولا ينضم إليها إلا الذين يقبلون عناصرها وأجواءها الديبلوماسية ومقومات حضورها. وأهم هذه العناصر والمقومات يتمثل بتبني القيم السياسية الدولية التي يتبناها صانعو البيئة نفسها.

وإذا كان هناك من يريد أن يفرض بيئته الخاصة مثلما تحاول إيران فإن قبولها ضمن ما هو قائم غير وارد. بينما تم قبول منظمة التحرير ضمن هذه البيئة بعدما تجاوزت المحرمات والثوابت الفلسطينية وقبلت شروط الدول الاستعمارية والكيان الصهيوني. منظمة التحرير تبقى لاعبا ضعيفا، لكنه مرحب به ضمن الإطار السياسي والديبلوماسي الذي رسمه الاستعمار والاحتلال.

حاولت حماس مغازلة الأوروبيين بعد انتخابات عام 2006 التشريعية في فلسطين. فازت حماس في هذه الانتخابات فظنت أن الرافعة الديمقراطية التي حملتها إلى تشكيل الحكومة الفلسطينية ستغفر لها أمام الأوروبيين فيقبلونها ضمن البيئة الديبلوماسية والسياسية القائمة في المنطقة بخصوص القضية الفلسطينية؛ لكنها لم تقبل وبقيت مرفوضة كشريك للبحث عما يسمى السلام العادل والشامل في المنطقة، وتصدت لها المجموعة الأوروبية عبر تصريحات مختلفة صادرة عن دول أوروبية بصورة فردية أكدت أن على حماس أن تلبي مطالب الرباعية الدولية لكي يتم الجلوس معها.

والرباعية الدولية المشكلة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة تشترط الاعتراف بالكيان الصهيوني أولا، والتوقف عن ممارسة الإرهاب، أي التوقف عن النضال الوطني الفلسطيني وإلقاء السلاح، والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير والكيان الصهيوني، وطبعا تفكيك المقاومة الفلسطينية في غزة.

مع الزمن اقتنعت حماس بأن حظوظها في الاعتراف بها كلاعب أساسي في الجهود السياسية لتحديد مستقبل المنطقة تذهب سدى، وأنهم -أي الدول الاستعمارية والصهاينة- يريدون صناعة مستقبل للمنطقة وفق تطلعاتهم هم، وحسب مشيئتهم التي تقضي بضرورة استمرار خضوع شعوب المنطقة وحكوماتها لإرادتهم هم.

ولم تختلف جهود حماس تجاه الولايات المتحدة عن جهودها تجاه الأوروبيين؛ الأميركيون هم الذين يحكمون الرباعية الدولية، وهم الأكثر تشددا ضد الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.

تنشط الجهود الآن للبحث عن تهدئة بين حماس والكيان الصهيوني، ويبدو أن مصر هي التي تقود هذه الجهود، وتحاول لدى الطرفين عقد تهدئة أو هدنة لعدة سنوات، وغالبا لن تكون مكتوبة وموقعة كما هي العادة عندما تحصل تفاهمات. ومن طرف ليس ظاهريا، تشارك دول استعمارية بخاصة من أوروبا وأميركا في هذه الجهود. أهل الغرب مهتمون بالهدنة بسبب الضيق الشديد الذي تعاني منه غزة والذي قد ينفجر في وجه الكيان الصهيوني.

الغرب يريد هدوءا على جبهة غزة، ولا يبحث عن مزيد من توتير الأوضاع ما قد ينتهي بحرب جديدة. أي أن الغرب يبحث عن هدنة كي لا يعبر الغزيون عن الضائقة التي يعيشونها بتصعيد الأمور إلى درجة يقوم بها الصهاينة بحرب برية على غزة، فيوضع الكيان أمام انتقادات عالمية جديدة من قبل الدول والمنظمات غير الحكومية. وأيضا يضع جيش الصهاينة أمام فشل جديد يؤثر بصورة كبيرة على هيبته وقدرته على الردع. سبق لجيش الصهاينة أن فشل في ثلاث حروب متتالية على غزة، ولم يستطع التقدم برا داخل القطاع على الرغم من حجم القتل والدمار الهائل الذي سببه على المستوى المدني.

الغرب يرى الآن إصرار أهل القطاع على مواصلة مسيرات حق العودة التي تذكر العالم بقوة بقضية اللاجئين الفلسطينيين. وعلى الرغم من حرص أهل الغرب على تغييب قضية اللاجئين من خلال التركيز على ما يسمى بحل الدولتين فإن مسيرات العودة تحاول أن تعود بالقضية الفلسطينية إلى جذورها. هذا لا يريح أهل الغرب ولا يريح العديد من البلدان العربية ومنها مصر التي تشارك بقوة في حصار غزة والتضييق على الناس.

تريد مصر أن تتخلص من معاناة أهل غزة وذلك بجر حماس إلى بيئة لا تتناسب مع طرحها الخاص بتحرير الوطن الفلسطيني. ويمكن أن تكشف الجهود القائمة حاليا ما أكدنا عليه في مقالات عديدة سابقة وهي أن مصر لا تملك سيادة على معبر رفح، وأنها لا تفتح المعبر إلا بموافقة صهيونية. فنجد الآن أن من حسنات التهدئة التي يتحدثون عنها أن الصهاينة سيوافقون على فتح معبر رفح بصورة دائمة.

تلعب الدول الغربية والصهاينة لعبة العصا والجزرة؛ بعض الأوروبيين يتحدثون الآن عن رصد أموال بمبالغ كبيرة لتحسين الأوضاع المعيشية في قطاع غزة والإعمار، وفي ذات الوقت يقوم الصهاينة بمواصلة اعتداءاتهم المدمرة ضد القطاع، وعلى حماس أن تختار بين المال والقصف. يبدو الغرب الآن وكأنه إنساني وأن دموعه تنساب غزيرة حزنا على أهل غزة. إنه كاذب، وهو الذي يحرض الصهاينة على تشديد القبضة العسكرية من أجل أن يقرر أهل غزة اللحاق بركب الجزرة.

لكن الجزرة ليست مجانا، بل لها ثمن. وإذا كان هناك من يظن أن الصهاينة وأهل الغرب سيقبلون تهدئة بوجود المقاومة فإن ظنه مجرد أوهام وأضغاث أحلام.

الصهاينة لن يقبلوا هدنة لا تنص صراحة على تجميد الوضع العسكري في غزة يتأكدون من خلاله أن المقاومة لا تستلم أسلحة عن طريق التهريب، ولا تدخل مواد مهمة في التصنيع العسكري داخل القطاع. الصهاينة سيطلبون إخضاع الوضع العسكري في غزة لمراقبة للتأكد من أن المقاومة تلتزم بما تتعهد به. وإذا فعلت المقاومة ذلك فإنها ستكون قد حكمت على نفسها بالتصفية التي ستلحق كبير الأذى بالقضية الفلسطينية. وبما أن المقاومة لن تقبل ذلك فإن الهدنة لن تحصل.

منذ متى يلتزم الصهاينة باتفاقيات أو تفاهمات؟ منذ عام 1948 حتى الآن والصهاينة ينتهكون التفاهمات وينقضون الاتفاقيات والعهود. هذه هي سيرتهم مع مصر وسوريا ولبنان وفلسطين. والصهاينة لا يؤمنون بالتفاهمات المكتوبة والموقعة، ويتركون الأمور مفتوحة أمام تفسيراتهم الخاصة التي تتيح لهم انتهاك ما يوافقون عليه. وأقرب أمرين أمامنا يتمثلان باتفاق صفقة شاليط لتبادل الأسرى والتي لم يلتزم الصهاينة بها حتى الآن، واتفاق وقف إطلاق النار الذي تم برعاية مصرية بعد حرب عام 2014.

وافق الصهاينة في ذلك الاتفاق على إقامة ميناء ومطار في غزة، ورفع الحصار تدريجيا وتوسيع مساحة صيد الأسماك. لم يتم تنفيذ أي شيء مما تم الاتفاق عليه، ولم يقل العرب كلمتهم بهذا الشأن. والآن يتكلمون عن هدنة يسمح بها الصهاينة بإقامة ميناء بحري ومطار.

فإذا شاءت المقاومة الفلسطينية في غزة أن تتوصل إلى اتفاق هدنة فإن عليها أن تضمن قبل أن تلتزم هي بتنفيذ أي شيء تنفيذ الصهاينة بما يتوجب عليهم. وإلا فإن علينا ألا نقع في الخديعة للمرة الألف فنصبح على ما فعلنا خاسرين ونادمين.