إقرأ المزيد


​أتكون هي المذنبة أم أنه ذنب الآخرين؟

د. زهرة وهيب خدرج
أحد ١٣ ٠٥ / ٢٠١٨

لفتت انتباهي خلال زيارتي للمدرسة التي تدرس فيها ابنتي، كانت صغيرة، قصيرة القامة، وشعرها أجعد منفوش، ووجهها متسخ، يسيل المخاط من أنفها، فتمسحه بطرف كمها بعفوية طفولية دون أن تشعر بأدنى حرج، وعلى طرف عينيها تراكمت إفرازات جافة كدرت جمال عينيها، أما مريولها المخطط بالأزرق والأبيض، فكاد اللون الأبيض فيه يغدو رمادياً وخاصة على طرف أكمامه وقبته. كانت تنكمش وحدها في زاوية درج في آخر الصف، تتجنبها الطالبات، ولا يلعب معها أحد، وفي الحصص الدراسية، لا وجود لها.

أثارت داخلي مشاعر كثيرة قد يكون العطف والشفقة أكثرها حظًا، اقتربت منها، سألتها عن اسمها، فأجابتني بصوت خفيض لم أستطع سماعه، أعدت عليها السؤال وطلبت منها أن ترفع صوتها قليلاً، فأجابتني زميلة لها بالنيابة عنها، بأن اسمها "سقوط". استغربت الاسم جداً، وقلت لنفسي: يبدو أن جميع الأسماء قد نفذت عندما ذهب والدها إلى دكان الأسماء ليشتري اسماً، فلم يجد سوى اسم "سقوط" ليشتريه لهذه الطفلة المسكينة.

رحت استقصي بعض المعلومات عنها، بعد أن رجح لدي بأنها تنحدر من أسرة مدقعة الفقر. ولكني فوجئت بعد ذلك بخطأ اعتقادي، وغلبني حينها الغضب الممزوج بالحزن، غضب من ذويها، وحزن على وجودها في أسرة كهذه، دون ذنب منها، وأعتقد أنها لو كانت يتيمة الأبوين لربما كان هناك عذر لما هي عليه، ولكن أن يكون والديها على قيد الحياة ويتركونها هكذا، فهذا ما لم أستوعبه!.

تعيش تلك الطفلة مع خمسة من الأخوات، وثلاثة من الإخوة بالإضافة إلى والديها، في بيت صغير يتكون من غرفة واحدة ومرافق بدائية، يغطيه سقف من الزينكو، البيت شديد القذارة من الداخل أما أمامه فحدث ولا حرج. تحرس البيت كلاب عدة كبيرة الحجم، شكلها مرعب، ونباحها يوقع الهلع في النفس، والدها عاطل عن العمل منذ فترة طويلة، عدا عن أنه مدمن على شم المخدرات التي تُذهب عقله وتبقيه دائماً في البيت متمدداً على أريكة ممزقة أمام التلفاز، وإذا ما نهض من مكانه افتعل العديد من المشكلات، حيث يصرخ ويشتم ويضرب من يجده أمامه من أبنائه، ليس ذلك فقط ما يحدث داخل البيت، فالأدهى والأمرُّ أنه يجبر ابنه الأكبر على شراء المخدرات وإحضارها له، ويكره زوجته على إحضار النقود التي يحتاجها.

تكون والدة سقوط دائماً إما حامل أو مرضع، تخرج من البيت مع بزوغ شمس الصباح لتعمل في تنظيف الحدائق والبيوت، ولا تعود قبل المساء.. يبقى أطفالها وحدهم دون رعاية من أحد وغالباً ما يمضون جل وقتهم في الشارع، حتى أصغرهم ابن العامين فيلعب طوال الوقت على دراجة هوائية في الشارع لا يعي لخطر سيارة مارَّة مسرعة أو لأمطار باردة متساقطة أو لشمس صيفية حارقة.

ومن بلغ سن المدرسة من الأبناء قيدت الأم اسمه في المدرسة، التي يذهب إليها بحذاء بيتي وملابس متسخة من دون حقيبة، أو مستلزمات مدرسية. لتبدأ رحلة مدير المدرسة مع الاستجداء لكسب تعاطف المعلمين وود المجتمع المحلي لتوفير احتياجات ذلك الطالب، وإقناعه بضرورة مراجعة دروسه وأداء واجباته البيتية والاعتناء بنظافته الشخصية، عدا عن مطاردته لإحضاره للمدرسة التي يتغيب عنها أياماً وأسابيع.

يصعب تحديد موضع الخلل في هذه الأسرة ولو أني لا أستطيع تبرئة كلٍ من الوالدين والأقارب، فإذا كان الأب غير مسؤول، فلماذا تقبل الأم باستمرار الحال على هذه الصورة؟ وكيف تؤثر البقاء مع زوج كهذا، فتنجب هذا العدد الكبير من الأطفال لتتركهم دون رعاية وعناية؟ ولنعود قليلاً إلى الوراء، فكيف يوافق الأهل على أن تتزوج ابنتهم من رجل لا يحفظ بيته ولا يعبأ بأن ينشأ أسرة صالحة؟

أعتقد أن المجتمع والأهل وكلا الوالدين يتشاطرون المسؤولية عن حال تلك الطفلة وبقية إخوتها.

مواضيع متعلقة: