​باي باي "م. ت. ف"

نواف التميمي
الاثنين ٢٧ ٠٨ / ٢٠١٨

العربي الجديد

كان يا ما كان، في قديم الزمان، أسطورة اسمها منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف)، وكانت قصتها على كل لسان. في الغرب والشمال، كان وديع حداد، وليلى خالد، والأمير الأحمر أبو حسن سلامة، ورفاقهم "الإرهابيون". وفي الشرق والجنوب، كانت الحطة المرقّطة بالأبيض والأسود عنوان الثوار من إريتريا إلى كشمير. وكان الشماغ الأحمر كلمة السر من الرفيق جورج حبش في أحراج جرش إلى القائد هوشي منه في أنفاق سايغون. كانت "م. ت. ف" المهندس والحكيم والكاتب والشاعر والطالب والمعلم، وكان في قواعدها رجال غسان كنفاني، وفي مكاتبها قصائد محمود درويش. كان فيها صلاح خَلف رجل "الأمن"، وأبو جهاد الوزير قائد "الظل"، وكانت تشرق على شرفات منابرها الإعلامية أفكار وائل زعيتر، ومنير شفيق، وخالد الحسن، وماجد أبو شرار، وناجي علوش، معجونةً بالنظريات الأممية.

كانت "م. ت. ف" ياسر عرفات نسل الحسيني، وجورج حبش المسيحي، ونايف حواتمة الأردني، ومعهم رجال من لبنان واليمن والمغرب وتونس والجزائر، وآخرون صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لاهمَّ لهم سوى "ثورة حتى النصر" و"تحرير الأرض والإنسان"، كانت "م. ت. ف" فلسطينية الوجه، عربية العمق، إنسانية الامتداد، تجمع تحت جناحها نضال الجنوب أفريقي ضد نظام الأبارتهايد، وتستوعب في قواعدها الشباب اليساري الثائر على الرأسمالية العالمية والإقطاع البورجوازي، ومعهم في الخندق نفسه مع الشباب المجاهد في سبيل الله، وتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين.

كانت "م. ت. ف" قوافل من البعثات الطلابية انتشرت في أرقى جامعات العالم وأبعدها، من هافانا إلى موسكو، ومن بكين إلى بلغراد. كانت "م. ت. ف" مدارس أبناء الشهداء والأسرى، ومعسكرات تدريب الأشبال، واتحادات شعبية. كانت "م. ت. ف" قواعد فدائية ومكاتب مزينة بصور الشهداء، وعلى جدران غرفها لوحة "جمل المحامل" لسليمان منصور، ورسومات "حنظلة" ناجي العلي، وملصقات إسماعيل شموط، وطبعاً صور جمال عبد الناصر وتشي غيفارا.

تحولت أرقام اللاجئين على بطاقات "أونروا" إلى أرقام عسكرية لطوابير من الفدائيين، وصارت "م. ت. ف" أسطورة ترفع غصن الزيتون المسنود بالبندقية على أعلى منبر أممي، وتخاطب العالم بلا خوف "إما تعيدوا لنا حقوقنا بسلام أو ننتزعها بالقوة". صارت "م. ت. ف" وطن الفلسطيني وهويته، وحامية مشروعه الوطني، وقراره المستقل.

ولمّا صارت "م. ت. ف" أكبر من وطن، وصار الفلسطيني رقما صعبا في معادلة المنطقة، تقدمت الولايات المتحدة، وبعض العرب، لشطبها، وتفكيك بنياتها العسكرية والفكرية. وبالفعل، مع توقيع الرئيس المصري، أنور السادات، اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، قال زبغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر (1979- 1991) عبارته الشهيرة: "Bye Bye PLO"، والعبارة ذاتها كرّرها لاحقاً رئيس الحكومة الإسرائيلي، مناحيم بيغن، وهو يراقب السفن تحمل ياسر عرفات ورفاقه إلى أطراف الأرض، بعد حرب لبنان وحصار بيروت 1982.

وعلى الرغم من النكسات السياسية التي أصابتها بعد "كامب ديفيد"، والخروج من بيروت، ظلت منظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. ذهب بريجينسكي ولحق به السادات، وعاد أبو جهاد الوزير ومعه أطفال الحجارة إلى ساحة المواجهة الأولى مع الاحتلال، لتثبيت الرقم الفلسطيني في خندقه الصحيح، وصارت عبارة بريجينسكي طرفةً يتندّر بها الزعيم الراحل أبو عمار، كلما أراد التذكير بقوة طائر الفينيق الفلسطيني، وقدرته على الخروج من الرماد أشدّ عنفواناً.

لم تتوقف محاولات شطب المنظمة منذ ولادتها، مرة بالاحتواء والوصاية ومصادرة القرار الفلسطيني، وأخرى بالحصار، وثالثة بالتهميش والقفز عنها، ورابعة بالشقّ والتمزيق ومحاولات إيجاد الكيانات البديلة، وصولاً إلى إسقاطها في مطب "أوسلو"، على طريق تفكيك مكوّناتها، وإنهاك قواها، حتى تستحيل ركاماً بلا معنى أو مبنى.

ويستمر اليوم مسلسل هدم البيت الفلسطيني، وهذه المرة بمعاول بعض أهله، لتحويل ما تبقى من مؤسسات منظمة التحرير إلى مزرعة، يستبدّ فيها الورثة غير الشرعيين، ويعيث شذّاذ الآفاق في جنباتها فساداً وإفساداً. يُتأتئون أمام كاميرات التلفزيون نشيد "فدائي"، وفي سرَّهم، ينشدون مقولة بريجينسكي "باي باي.. م. ت. ف".