الفتى أبو حسين يبدأ عامه الدراسي الجديد بساق واحدة

غزة - الأناضول

صبيحة كل يوم، يغادر الفتى الفلسطيني محمد أبو حسين، منزله في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، شمالي غزة، ويقطع الأزقة على ساق واحدة مستنداً إلى عكازيه، في طريقه إلى مدرسته.

رحلة يومية شاقة يصرّ محمد (13 عاماً) على القيام بها، متحدّياً وضعاً جديداً لم يألفه من قبل، وهو الذي حرمته رصاصة للاحتلال الإسرائيلي ساقه قبل أشهر، لتجبره على الاستعانة بعكازيْن حتى يتمكّن من السير.

لم يكن من السهل على فتى بعمره تقبل وضعه الجديد وهو يستهل عاماً دراسياً آخر، في وقت يرى فيه أقرانه وهم يركضون أو يسيرون باتجاه مدارسهم، والفرحة تغمر نفوسهم، مرتديْن ملابس جديدة وأحذية لامعة، فيما يقطع هو الأزقة ببطء شديد، بعكازيْن مازال لم يتعود على طريقة استخدامهما بشكل كاف.

غير أن الصعوبات الجديدة التي بات يتعرض لها بفعل المشي على ساق واحدة، لم تثنه عن مواصلة ذهابه إلى المدرسة، كما لم تردعه عن ذلك نظرات الشفقة التي يرمقه بها أقرانه وأصدقاؤه بالفصل.

"بأي ذنب؟"

في 29 يونيو/ حزيران الماضي، أصيب محمد برصاصة للاحتلال في ساق قدمه اليُمنى، ما تسبب ببترها على الفور بسبب خطورة إصابته.

حدث ذلك أثناء مشاركته في فعاليات مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية، المنتظمة قرب السياج الفاصل مع مخيم جباليا، شمالي القطاع.

وكان محمد من بين الذين خرجوا، آنذاك، في مسيرة العودة للمطالبة بحق عودة عائلته إلى قرية نجد المحاذية لقطاع غزة، والتي هُجّر أجداده منها عام 1948.

محمد، وكغيره من الفلسطينيين، رأى في تلك المسيرات وسيلة سلمية للمطالبة بحق العودة، ولإعادة تذكير العالم بضرورة إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين.

لكن الرصاصة التي أصابته وهو يقف على بعد أكثر من 600 متر عن السياج الأمني الفاصل بين شمالي غزة و(إسرائيل)، اغتالت في لحظة جميع آماله وأحلامه.

واليوم، وبعد أن فقد ساقه وهو لا يزال فتىً يافعاً، طالب محمد، العالم بأسره، بضرورة محاكمة جيش الاحتلال الذي لا زال يرتكب جرائم كبيرة بحق الأطفال الفلسطينيين؛ وخصوصاً المشاركين منهم بشكل سلمي في مسيرة العودة.

ويتساءل الفتى: "بأي ذنب أطلق جيش الاحتلال الرصاص علي وحرمني من ساقي للأبد؟".

ورغم الإعاقة، فإن محمد أعرب عن تمسكه بحق العودة، مشيراً إلى أنه سيظل يطالب بهذا الحق "عبر كافة الأدوات السلمية".

واسترجع محمد لحظة إصابته، قائلا: "في تلك اللحظة، رأيت قدمي وكأنها مقطوعة، وتوسّلت للمسعف الذي حملني حينها بأن لا يقطعها".

ورغم التطمينات التي حصل عليها من المسعفين، إلا أن محمد شعر بالصدمة حين استيقظ من عمليته الجراحية داخل المستشفى، ووجد نفسه بدون ساقه اليُمنى.

"باتت عبئاً"

وبفقدان ساقه، دخل محمد مرحلة مختلفة تماماً من حياته، فمنذ الحادثة، بات الفتى يشعر بحدوث تغيرات كبيرة عليها، حتّى أن أصغر التفاصيل اليومية أصبحت عبئاً عليه، كما يقول.

"الكثير من التفاصيل الصغيرة باتت اليوم صعبة وكبيرة"، يتابع، "وأشعر في بعض الأوقات بالحزن لما آلت إليه الأمور".

أصبحت لتفاصيل الحياة التي كان يراها في السابق عادية وبديهية ثقل، تماماً كما أضحت مجرد فكرة الذهاب إلى أي مكان تتطلب تفكيراً عميقاَ منه.

تفاصيل صغيرة لا يكترث لها المرء حين يكون سوياً، لكن بمجرد فقدان وسيلته في تحقيقه، يصبح الأمر برمته مختلفاً تماماً، حتى أن "عملية الصعود والنزول عن السلالم بات أمراً مرهقاً للغاية وأنا أستند إلى العكازين"، كما يقول محمد.

وما يرهق الفتى أكثر هو الحمل الثقيل الذي باتت تشكله الحقيبة المدرسية والكتب التي بداخلها، وهو يسير في طريقه إلى المدرسة كل يوم.

كما أن كرة القدم التي كان محمد شغوفاً باللعب بها، لم يعد قادراً على ركلها بالشكل الصحيح.

فاليوم، يقف محمد أمام الكرة المستديرة حائراً، فكيف له أن يسدد ركلته مستخدماً قدمه اليُسرى التي لم يعتد قط على استخدامها في الركل؟

وليس ذلك فقط، وإنما حرمته الإعاقة أيضاً من مواصلة ممارسة هوايته في ركوب الدرجات الهوائية، والتي كان يطمح أن يطوّرها في وقت لاحق.

كما أن رياضة السباحة التي كان محمد يحب ممارستها أيضاً لم يعد اليوم قادراً على ذلك بفعل الإعاقة.

"حق العودة باق"

محمد استنكر القرار الأمريكي القاضي، قبل أسبوع، بوقف الدعم المالي بشكل كامل لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا".

وقال إن "القرار لن يسكت صوت المطالبة بحق عودة اللاجئين إلى أراضيهم التي هجّروا منها."

كما أعرب عن اعتقاده بأن "المساعي الأمريكية لإنهاء قضية اللاجئين عبر قطع المساعدات لن تنجح".