​"بشار" معيل صغير وثائر كبير في الميدان

صورة أرشيفية
غزة / مريم الشوبكي:

فجأة تسارعت دقات قلب والدة بشار الهنداوي في الخفقان، وجسدها أصبح هزيلًا، وهاتف في نفسها يخبرها بأن "بشار" أصابه مكروه، وضعت صينية الغداء وأصرت على تصويرها حتى تريه إياها لأنها أيقنت أنه لن يعود اليوم ليشارك عائلته مائدة الغداء.

"بشار" ذو 14 ربيعا معيل البيت الصغير، كان يصرف على البيت من الشواكل التي يجنيها من بيع المنظفات التي تصنعها والدته، كانت أفعاله سابقة لعمره، وكان أيضا ثائرًا مقدامًا في الميدان لم يتأخر يوما عن الصفوف الأولى حاملا مقلاعه وبعض الحصوات.

لم يتخلف

على سرير الشفاء يرقد "بشار" في مجمع الشفاء الطبي، يتعافى من إصابته في قدمه اليمنى والتي ألمت به أول أمس الجمعة، في موقع ملكة الحدودي شرق مدينة غزة، مع انطلاق فعاليات الجمعة الحادية والعشرين من فعاليات مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار.

تقول والدته لـ"فلسطين": "لم يتخلف بشار عن المشاركة في أي جمعة لمسيرة العودة حتى يوم إصابته، دائما ما كان أبوه يحبسه في البيت، ولكنه دائمًا يتمكن من الهرب والقفز عن حائط البيت، وهذه الجمعة أرسله أخوه لشراء غرض من الدكان وسنحت له الفرصة بالهرب".

خوفا من توبيخ والدته له، ورفض أبيه في مشاركته في مسيرة العودة لصغر سنه، كان بشار يحضر مقلاعه قبل يوم الجمعة ويخبئه في حفرة تحت شجرة بيته حتى لا يراه أحد.

وتضيف: "تأخر بشار ووضعت طعام الغداء وللمرة الأولى أقوم بتصويره حتى أريه إياه حينما يعود لأن شيئا ما في داخلي كان يخبرني أنه لن يشاركنا الغداء اليوم وسيصيبه مكروه، وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى رن هاتف زوجي وأجابت عليه أخته ليخبرها المسعف أن بشار أصيب".

وتردف: "فجأة دبت فيّ الروح وأسرعت إلى المستشفى للاطمئنان عليه، وجدته غارقا في دمائه، على إثرها اضطر الأطباء إلى نقل أربع وحدات دم لإنقاذ حياته، فالشريان الرئيس في القدم تعرض للقطع بالإضافة إلى الأعصاب".

ورغم إصابة "بشار" في قدمه لم يتخل عن مقلاعه وحجارته، تتحدث والدته: "همّ بضحك وهم ببكي، أثناء تحضيره لإجراء عملية جراحية لقدمه نزعت البنطال، فتعثرت يدي في جيوبه المكدسة بالحجارة والمقلاع لم يتخل عنها حتى وهو يتألم".

ذراعها الأيمن

بشار صغير السن ولكنه كبير في جرأته وشجاعته، يقول: "دائما لا أكتفي بالمشاهدة عما يدور من أحداث على الحدود، ولكن أشارك في إحراق الكاوتشوك ولدي مقلاع أقذف به الحجارة على الجنود، كما كنت أشارك في سحب السلك".

ويواصل حديثه: "تخطيت مع بعض الشباب نقطة الصفر وبدأنا بشد السلك الشائك، حتى أصيب شاب بجواري إصابة خطيرة في رأسه، شاهدت أجزاءً من دماغه، وحينما هممت بإسعافه مع باقي الشباب أصابتني رصاصة في ركبتي وقعت على إثرها على الأرض ولم أستطع المسير ونقلوني بعدها إلى المستشفى".

والجمعة ما قبل الماضية أي الجمعة العشرون، تعرض "بشار" لخطر كاد أن يودي بحياته، يروي تفاصيله: "اقتحمت مع مجموعة من الشباب في الجمعة العشرين منطقة المعبر وفجأة ظهر أمامنا بعض من جنود الاحتلال أطلقوا علينا وابلًا من الرصاص واحتمينا خلف المكعبات الإسمنتية الضخمة، حتى تمكنا من الإخلاء بعد تنسيق الصليب الأحمر".

قبل أن يصاب كان "بشار "الذراع الأيمن" لوالدته، حيث كان الوحيد في إخوته الذي تعتمد عليه في بيع المنظفات التي تصنعها في البيت، وما يجنيه من الشواكل كانت هي دخل الأسرة الذي تعيش عليه، فأبوه لا يعمل وكذلك إخوته عاطلون عن العمل، ومشروعها الصغير هو دخلها الوحيد.

أصيب "بشار" وتوقفت والدته عن صنع المنظفات لأنه لم يعد قادرا على بيعها، ورغم حرصها على شفاء ابنها، إلا أنها في نفس الوقت ستفقد معيلها وسندها في مصروف البيت لفترة ليست بالقصيرة.