​"بيسان".. وحيدة أهلها تغفو بجوار والدها الشهيد

جانب من وداع الشهيد البريم (تصوير / رمضان الأغا)
غزة - يحيى اليعقوبي

لا يعلم أحد سرَّ الغفوة التي صاحبت الرضيعة "بيسان" في أثناء وداعها لوالدها الشهيد زياد البريم (28 عامًا)، الذي ارتقى برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال قمعه لـ"مليونية القدس"، الجمعة الماضية شرق قطاع غزة.

ولم تفلح محاولات جدة الرضيعة (3 أشهر)، ولا نداء أعمامها بالنداء عليها "بيسان"، "بيسان"، لتلقي النظرة الأخيرة على والدها الذي فارقها في أول حياتها.

و"بيسان" هي الطفلة الوحيدة للشهيد البريم من سكان بلدة بني سهيلا بخان يونس.

وتقول والدته (أم جلال): قضينا اجتماعًا عائليًا، ليلة الجمعة، وحثنا زياد جميعًا على المشاركة في مسيرة العودة، و"مليونية القدس"، وأوصانا بعدة توصيات في حال استشهاده.

"مضى يوم الجمعة هادئًا حتى الثالثة عصرًا، وحينما هم زياد للخروج للمسيرة نظر إلى ابنته نظرة أخيرة وقبلها.. وهو لا يعلم أن هذه القبلة ستبقى ذكرى"، والكلام للوالدة المكلومة، مشيرة إلى أن نجلها حرص على سماع رضاها وإسعادها قبل خروجه للمسيرة قبالة السياج الفاصل مع الأراضي المحتلة عام 1948م.

وتضيف: "غادر زياد.. وبقيت التساؤلات الداخلية تشغل قلبي، لماذا حضنني وقبلني ليلة الخميس؟ لماذا أوصانا بدفنه بعلم فلسطين وأن لا تتبناه الفصائل؟".. أسئلة عديدة دفعتني للاتصال على هاتفه عدة مرات، لكن دون فائدة".

صاحب القلق أم الشهيد، وساورها الخوف من خشية أن يرد شخص ويقول: "ابنك مصاب أو ابنك شهيد"، تخشى ذلك ليس كرها بالشهادة ولكنها لا تريد أن تعيش نار الفراق.

لكن زياد كان وقتها بخير، وأمسك بهاتفه قائلًا: "يما هيني رايح أجيبلك أغراض كعك العيد وجاي على الدار"، فأطمأن قلبها دون أن تعلم أن هناك عاصفة حزن قادمة، كانت تطهو الطعام وتعد سفرة الإفطار.

وحينما هم زياد بالعودة من المسيرة السلمية، باغتته طلقة إسرائيلية بظهره ارتقى على إثرها شهيدًا، ووقتها بدأت الاتصالات تنصب صبًّا على والدة الشهيد وزوجته.

وتشير الوالدة: "بدأ المنزل في حالة غليان ذهبنا وتلقينا الخبر الذي حاولنا الهروب منه، لكنه القدر أقوى من كل شيء".

شاب رفع شعارًا في حياته: الوحدة الوطنية، واستشهد غدرًا من قناص إسرائيلي، ليرحل تاركًا رضيعته تعيش يتيمة بقرار إسرائيلي. احتست أم جلال جرعة من صمت أوقفتها الدموع التي كانت تهرب دمعة تلو الأخرى إلى خدها، "كيف أنساه؟ زياد ولدي المطيع، وأصغر أبنائي، كان يحب فلسطين وقضيته والوحدة، لطالما شارك وأسس الفعاليات التي دعت إلى الوحدة وإنهاء الانقسام".

وجه آخر

وتستذكر (أم جلال) مناقب نجلها وعلاقاته الاجتماعية مع أهله وأقاربه وأصدقائه ووقوفه دائمًا بجانبهم.

وتقول: بعد تخرج "زياد" من قسم المحاسبة بجامعة الأزهر، أصيب أحد أصدقائه بحادث سير وابتعد عن الجامعة لأكثر من عام، لكنه كان يستقبله يوميًّا في منزله لمدة عامين يراجع له مواده الدراسية.

تزوج البريم في مايو/ أيار 2017م، ورزق بـ"بيسان" قبل ثلاثة أشهر، هذه الجميلة التي طلبت منه زوجته قبل خروجه من المنزل أن يلتقطوا جميعا صورة تذكارية مع بعضهم، لكنه كان مندفعا ولم يلبِّ هذا الطلب، وما هي إلا ساعتان حتى تحققت هذه الصورة لكنها بصورة أخرى موجعة.

حاول زياد قبل زواجه السفر، لكن السلطات المصرية أرجعته، وفقًا لوالدته، "أرجعته ليلاقي قدره داخل وطنه".