اخلع عباءة الضحيّة وقل: "لا"

د. مشعل: المجتمعات العربيّة اعتادت الشكوى وتحميل الآخرين المسؤوليّةَ

صورة أرشيفية
غزة - القاهرة/ حنان مطير:

كثيرون من حولنا يشعرون أنّ هناك مشكلة في حياتهم لا تنتهي إطلاقًا حتى باتت مصدر يأسٍ وخذلانٍ من الحياة كلها، ومصدرًا لشعورهم بالظلم، وتتمثل مشكلتهم في أنهم يُصدَمون بالإهمال وبعدم تقدير تضحياتهم وبعدم الشعور بقيمة أفعالهم بالرغم من أنهم عملوا وضغطوا على أنفسهم كثيرًا وبالغوا في العطاء أملًا في إرضاء الناس أو إرضاء شخص ما وكسب حبّه.

هؤلاء الأشخاص يقعدون حيارى لا يعلمون إن كانوا ظالمين لأنفسهم أم أن الناس ظلموهم، فأين المشكلة إذًا؟ ومن المخطئ يا ترى؟ وكيف السبيل إلى الخلاص؟

"فلسطين" هاتفت استشارية الصحة النفسية والباحثة والمدربة في علوم الطاقة الدكتورة منى مشعل لتتحدث لـ"فلسطين" عن أولئك الناس، فلتتابع عزيزي القارئ:

"هؤلاء الناس هم أنفسهم الذين أعطوا رسالةً لمن أمامهم بأنهم يستحقون أن يتم معاملتهم بتلك الطريقة المجحفة التي لا اهتمام فيها ولا تقدير، بطريقةٍ لا تتساوى مع قدر ما قدّموا وضحّوا، وبالتالي إنهم هم من ظلموا أنفسهم وخالفوا كلام الله تعالى" تقول د. مشعل.

ظالمون لأنفسهم

وتضيف:" لقد ظلموا أنفسهم حين فعلوا شيئًا غير راضين عنه ولا مقتنعين به، وباتوا يرون أنفسهم مظلومين، في حين أنهم ظالمون لأنفسهم".

وتتابع:" ظلمهم لنفسهم لن يكون النهاية، إنما ظلمهم هذا سيكون سببًا في ظلم الآخرين، لأنهم حين يقبلون إجبارهم وإكراههم على شيء فإنهم لن يتوقفوا عن الإشارة بأصابع الاتّهام للآخرين فيما بعد، وتحميل الظروف والناس سبب تعاسته وكآبته وفشلِه".

وتكمل:" أنت المسئول عن حياتِك وعن قراراتِك واختياراتِك، فلا تترك أحدًا يُجبرك ويفرض عليك ثم تقبل ومن ثم تبدأ في الولولة وتحميل الآخرين مسئولية أخطائك وفشلك وعذابِك وظُلمِك للآخرين أيضًا".

وتواصل: "توقّف عن ظلم نفسك وضع لنفسك وللآخرين حدودًا دقيقة، واجعل مرضاة الله وحدوده نصب عينيك فهي معيار أوليّ لحدودك".

وتضرب مثالًا على اختيار التخصص الجامعي كأبسط مثالٍ يمكن الحديث عنه في ظل التردّد الذي يعانيه شبابنا وعدم قدرتهم على اتّخاذ القرار وتحمل مسئوليته فتقول:" لو كنت تميل لدخول كليةٍ ما لأسبابٍ تخصّك، وأهلك لا يرغبونها ويوجهونك لدخول كليةٍ أخرى، فلتسأل نفسك حينها السؤال الأهمّ على الإطلاق: "هل دخولي تلك الكلية بأي شكلٍ من الأشكال قد يغضب الله تعالى اليوم أو مستقبلًا؟" فإن كانت الإجابة لا، فلتدخلها ولتتوكّل على الله، بأدبٍ في الحديث مع من حولك ودون أن تُحدِث المشاكل مع أحدٍ، وإن لم يتفهموا فتلك مشكلتهم وليست مشكلتك".

وتضيف:" إنك إن لم تفعل ذلك، فأنت معرّض لأن تدرس أعوامًا طويلةً مُكرَهًا، وكارِهًا لما تدرس ولن تستفيد أو تفيد مما درستَ، وقد تفشل في النهاية، فتواسي نفسك بأنك لستَ السبب فيما يحدث لك إنما هم من ظلموك، لكن الحقيقة عكس ذلك، لأنك ستظلم الآخرين لو قُدّر لك وإن عمِلتَ في تخصصك، إذْ لن تقدّم عملًا مميزًا ولا حتى عاديًا، وإن كنت مدرسًا ستنشئ جيلًا ضعيفًا، وهذا يمكن قياسه على كل التخصصات".

وحول هذا تروي الشابة –مريم-قصتها حين أجبرت على دخول قسم إدارة الأعمال، فهي كما تقول لـ "فلسطين": "أجبرتُ ولكن بطريقة غير مباشرة، حين صوّر لي أهلي – وكلهم متعلمون- أهمية إدارة الأعمال وأنا نفسي أعرف أهميتها لكنني لم أرغبها يومًا، في حين كانت متعتي الكبيرة فقط في قراءة كل ما يخص علم النفس وأشعر بسعادةٍ بالغة حين يقع بين يديّ كتابٌ حوله".

وتضيف:" أنهيت دراستي الجامعية، وحصلت على معدل جيد جدًا، لكنني لم أشعر يومًا بمتعة الدراسة ولا حلاوة الجامعة، وكم كنت أغبط الطالبات في ذلك القسم الجميل بنظري".

وتتابع:" أربع سنواتٍ أندم عليها لأنني لم أقل يومها "لا"، لكنني اليوم أحاول تعويض تلك السنوات بدراسة كل ما يقع بين يدي من أمور تخص علم النفس، وأذهب للمكتبات لأحقق شيئًا من شغفي هناك".

الزواج بالإكراه

وتضرب الدكتورة مشعل مثالًا آخر على الزواج بالإكراه، موضحةً أن الكثيرين يقبلون بالزواج رغم عدم رضاهم التام عنه قبل حدوثِه، وبعد فترة قصيرةٍ من الزواج يقع الطلاق عند البعض لكن بعد أن يكون الزوجان قد أنجبا، فيكون هذا الصغير ضحية ظلم والديه لنفسيهما، إذ كان لا بد من اتخاذ القرار السليم بعد تدقيق وبحثٍ وروية.

ولأن الأمر ليس هينًا والضرر يقع على العائلة كلها كان لا بد من اتخاذ قرار حاسم وعدم تكرار ظلم النفس وظلم الآخرين، ولوم من كان السبب من البداية، وهذا ما يحدث في غالب الأسر في مجتمعاتنا العربية وفق د. مشعل.

ما العمل إذًا في مشكلة كهذه؟ توضح:" يجب التوقف عن ظلم النفس والشعور بأنها ضحية والتوقف عن لوم الآخرين وتحميلهم المسئولية، والتوقف عن البكاء على الأطلال والانغماس في سجن الماضي، من خلال اتخاذ قرارٍ رافضٍ للواقع، قرار فيه كلمة "لا" هي الحل والمخرج، لا للوضع القائم المليء بالمشاكل والخلافات، لا لأذية وظلم الأبناء الذين يمتلئون بالأمراض النفسية يوميًا بسبب القرار الخطأ من الأساس، لا بد من البحث عن طرق لتحسين الوضع بدون قطع علاقات وبدون مشاكل جديدة، وقد يكون ذلك في البحث عن إيجابيات في تلك الأسرة، في الزوج، في الأطفال، وإن لم ينجح ذلك فالقرار يبقى حرًا لصاحبه ومدروسًا ومسئولًا عنه".

تستحضرني هنا قصة ذلك الشاب محمود –اسم مستعار- الذي تزوّج من شابةٍ لم يكن يودّ الزّواج بها يومًا، لكنه أُجبِر على ذلك كون أخيه متلهفًا للزواج بأختِها، في حين أنّ شرط والد الشّابةِ لزواج ذلك المتلهّف من ابنته أن يتزوّج الأخوان ابنتيه، فإما الاثنتان أو لا!

وهنا خضع الأوّل مُكرهًا وتزوّج من الفتاة كي لا يُضيّع على أخيه فرصة الزواج ممن يحب، لكنه وللأسف تزوّج منها صوريًا، وبعد فترةٍ قصيرةٍ وقع بينهما الطّلاق، لتقعد حزينةً تعاني الاكتئاب والتشاؤم، فيما هو يلاحقه الشعور بالذّنب والقهر ولوم الآخرين وتحميلهم المسئولية، وهنا كان الظلم للاثنين، تصديقًا لحديث د. مشعل.

واستكمالًا لحديث د. مشعل فإنها تقول لـ"فلسطين": "في مجتمعاتنا العربية للأسف لم نعتد أو نتعلّم أن نقول "لا"، بل اعتدنا أن نكثر من الشكوى، ونلقي اللوم على الآخرين، ونظلم أنفسنا، لم نتعلّم أن نُصحّح أخطاءنا ونُخرجها لدائرة الإيجابية، بقدر ما تعوّدنا أن نشكو ونُظهِر احتياجنا".

"لا" لهم.. ونعم "لك"

وتضيف:" حين تقول للآخرين "لا" في أمر لا يعجبك ولا يغضب الله تعالى قبل كل شيء، فأنت تقول لنفسك "نعم"، أما إن قلت نعم وأنت رافض لذلك الرأي فأنت تقول "لا" لنفسك، وهذا قمة الضعف والقهر والظلم لنفسك وللآخرين فيما بعد".

وتتابع:" لو ظُلمتَ حقيقة من قبل فحاول أن تعفو وتفتح صفحةً جديدة، فيها "نعم" لنفسي، و"لا" لكل من يحاول فرض حياة عليّ لا أحبها، وأسلوب لا أحبّه، وأناس لا أرتاح لهم، وظروف لا تناسبني.. إلخ".

وتكمل:" لا تصنع صورةً كبيرةً للآخرين في عقلك فتضخمهم وتعطيهم حيزًا ومكانةً أكبر مما يستحقون، فتظل تسعى لإرضائهم وهم غير راضين، بل اعمل وفق ما تراه نفسُك مناسبًا بعد رضى الله عن عملك، وتأكّد أنّ الله سيسخر لك رضا الآخرين".

وتواصل: "تعامل بوعي وفهم مع الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرأ عرف قدر نفسه" فهو يعني أن قدرك كبير وعظيم وأنك مكرم ولك كل التقدير والاحترام، وهذا على عكس ما يظن الكثيرون بأن هدف الحديث التقليل من شأن الإنسان".

أما إن قرّرت أن تفعل شيئًا وأنت غير مقتنع به من أجل إرضاء شخص عزيز يهمّك ويُسعدك إرضاؤه لأنك برضاه ستكون راضيًا وسعيدًا فلا مشكلة في ذلك لأنك حينها ستكون على قدر حملك للمسئولية والنتائج المترتبة على قرارك ولن تشعر بأنك مظلوم وبحاجة للوم نفسك أو الآخرين، والختام للدكتورة مشعل.