​دم الشهداء وقود الحرية

صلاح برهوم
الثلاثاء ٠٣ ٠٤ / ٢٠١٨

ما زال الفلسطينيون يثبتون للعالم كل يوم أنهم أصحاب حق لا يموت، فهم ما زالوا يسقون شجرة الحرية بدمائهم الطاهرة الزكية، وبأرواحهم التي تأبى ظلم الظالمين، وبالرغم من آلامهم وأحزانهم على فقد أحبابهم فإنهم يقدمون المزيد والمزيد فداء للأرض المقدسة، كأنهم ولدوا ليضحوا من أجل هذه الأرض، فهي تناديهم في كل وقت وهم يلبون النداء غير خائفين أو مذعورين.

إن الحرية دائماً تطالب بوقودها، والشعب الفلسطيني برهن في مسيرة العودة الكبرى على أنه مستعد دائماً لإمداد الحرية بما تريد، وأنه لن يبخل أبداً بأبنائه في سبيل الحصول على الحرية المنشودة، وأنه يكتب بدماء شهدائه تاريخاً جديداً لهذه القضية التي يسعى الجميع إلى القضاء عليها وإفراغها من مضمونها.

إن الرسائل التي حملتها مسيرة العودة الكبرى كبيرة وكثيرة وذات مدلولات خطيرة ومهمة، فهي برهنت للعالم كله أن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقه في العودة مهما كان الثمن، وأنه لن يضيع حق وراءه مطالب، كما أثبتت المسيرة أن غزة حجر الأساس في مقاومة أي مشاريع تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية.

وبالرغم من كل ما حملته مسيرة العودة الكبرى من رسائل مهمة وخطيرة إلا أن هناك مشكلة خطيرة علينا أن نتنبّه لها وأن نحاول القضاء عليها، فغزة كانت الوحيدة التي جمعت حشودا بهذه الأعداد الضخمة ودفعت ثمناً غالياً من دماء أبنائها الأبطال، في الوقت التي كانت الحشود في الضفة الغربية تكاد لا تذكر كما هو الحال في بلدان الشتات الفلسطيني والداخل الفلسطيني، وهذا شيء خطير أن تحمل غزة عبء القضية الفلسطينية وحدها دون مشاركة من جميع أطياف الشعب الفلسطيني، فهناك انفصال شعوري بين قطاع غزة وباقي المناطق الفلسطينية.

إن الانفصال السياسي يمكن معالجته إذا كان هناك اتصال شعوري وحدوي بين أفراد الشعب، أما إذا انتقل الانفصال السياسي إلى انفصال شعوري بين أفراد الشعب الواحد فهذه المصيبة والكارثة الكبرى، التي لا تساويها أي كارثة أخرى، فمهما بلغت التحديات والأخطار الخارجية فإنها لا تستطيع هزيمة شعب موحد يشعر الجميع فيه بأن القضية الفلسطينية قضية كل فرد فيه وليس قضية منطقة أو فئة معينة.

لذا على الجميع العمل على مواجهة هذا الخطر العظيم المتمثل في الانقسام بين مناطق الشعب الفلسطيني، وتخلي كل منطقة عن المنطقة كأن الأمر لا يعنيها، وكأن القضية الفلسطينية خاصة بمنطقة محددة دون المناطق الأخرى.

إن وحدة الشعب الفلسطيني سلاحه الأقوى في وجه كل الأخطار المحدقة بالقضية الفلسطينية، فإذا ضاعت الوحدة ضاعت القضية كلها، وما يجري الآن من صفقات ومؤام/رات هو نتيجة للانقسام البغيض بين دفتي الوطن، وما فعله الانقسام من تشويه لصورة القضية الفلسطينية أمام العالم أجمع.