​فادي أغلى من رصاصة

وليد الهودلي
الأحد ٢٩ ٠٧ / ٢٠١٨

في مسرحية تحاكي واقع الطفولة في فلسطين كان الطفل فادي يحاول الجمع بين ثقافته البيئية التي تدعوه للمحافظة على نظافتها، ومساعدته لأهله المحتاجين بسبب الظرف الصحي الذي يمر به أبوه، هداه تفكيره إلى الذهاب إلى أرض التظاهرات والمواجهات مع قوات الاحتلال، وأخذ يجمع مخلفات قنابل الغاز إذ اكتشف أنها من مادة الألمنيوم وأنه يستطيع بيعها بثمن جيد، وهكذا توصل إلى ضرب عصفورين بحجر واحد، يسهم في تنظيف البيئة من ملوثات الاحتلال، ويدرّ ربحًا يساعد به عائلته المنكوبة.

وتجري الرياح بما لا تشتهي سفن الاحتلال ومن عليها من قراصنة، يلقى القبض عليه وهو متلبس بجريمة الإرهاب إذ وجد على أرض المواجهة، بعد جولة من تنكيل جنود الاحتلال بفادي نصل إلى نهاية المسرحية، يثور جدل بين جنديين: من أغلى فادي هذا أم الرصاصة التي سيطلقونها عليه؟

أطفال فلسطين مستهدفون، الاحتلال لهم بالمرصاد، هناك اعتقالات تطال أطفالًا بسن اثنتي عشرة سنة، وهناك قتل مريع في صفوف الأطفال، كان آخره هذا الأسبوع، وهناك ترويع للأطفال عندما يشاهدون بأم أعينهم التي تنهض مذعورة تنفيذ حالة اعتقال في بيتهم، الطفولة تنتهك وتروع وتقتل في فلسطين، ولقد شهدت في السجون من يترك في الزنازين تسعين يومًا، وشهدت من الأطفال من يتركون فريسة سهلة الجنود للتنكيل بهم، تاريخ أسود حافل للاحتلال تشهد عليه المعتقلات والسجون، خاصة معتقل الفارعة والظاهرية، اللذين كانا مسلخين للأطفال، وما زالت المسكوبية مسلخًا لأطفال القدس، ومعسكرات الاعتقال من مجدو شمالًا إلى عوفر وسطًا والنقب وعتصيون جنوبًا.

وما جرى على أيدي المستوطنين من حرق لعائلة دوابشة ومحمد أبو خضير تتحمل حكومة الاحتلال المسئولية عنه كاملة، إذ لولا مساندة الجيش للمستوطنين وتوفير الحماية والدعم لهم لما تجرأ مستوطن أن يمس فلسطينيًّا.

عندما يهون الدم الفلسطيني إلى هذه الدرجة، وعندما تعقد هذه المقارنة في العقل الصهيوني: "من أثمن رصاصة أم الطفل الفلسطيني؟"؛ فإننا نصل إلى طبيعة هذه العقل وما يتمتع به من شذوذ وسادية مفرطة، ونصل إلى طبيعة التربية والتنشئة التي أنتجت هذا الجنس من البشر، وعندئذ نصدق ما يصل إلينا من أن حاخاماتهم دومًا يصفون الفلسطينيين بالأفاعي والصراصير، التي يجوز سحقها وقتلها.

ليعلم هذه الإسرائيلي الحاقد والخارج من سياق البشرية التي تحترم الطفولة أن كل أطفالنا قد تعذبوا بسبب احتلالهم، جيل بأكمله من الأطفال هجر من بلده عام ثمانية وأربعين، ثم عاش في المخيمات والشتات، وكانت الطفولة الفلسطينية في المخيمات تفتقد كل ما يحتاج له الطفل بوضعه الطبيعي، ولم تتوقف ماكينة التعذيب الصهيونية عند هذا الحد بل لاحقت أطفالنا في كل ما يحقق طفولتهم الطبيعية بالمخيمات والشتات وكل قرية أو بلد وقع عليها الاحتلال، فكانت معسكرات الاعتقال وزنازين العذاب وكان الرصاص وقنابل الغاز، وكان وكان (...).

آن الأوان لهذه الدولة المارقة أن تعرى وأن تحاكم، وتطارد إعلاميًّا على الساحة الدولية، وحيثما كان للطفولة مكان طبيعي أن يعلموا أن هناك طفولة تنتهك ويعتدى عليها صباح مساء، تعالوا واسمعوا وشاهدوا ما يجري في فلسطين.