​"فتح".. وفلسفة إقصاء الآخر

مصطفى أبو السعود
الاثنين ٢٧ ٠٨ / ٢٠١٨

هل ثمة ما يثير الحنق والغصة في قلوبنا أكثر من فلسفة التفرد والهيمنة التي يمارسها المتسلقون من حركة فتح في مجريات الفعل السياسي النظري والميداني تحت حجة أنها صاحبة الطلقة الأولى؟ وكيف يمكن تصديق فكرة أن كل ما تقوم به أم الجماهير هو مصلحة لهم؟ وهل من المنطق أن يبقى الأبناء في ولاء تامٍّ ومطلقٍ لأم الجماهير حتى لو تخلت الأم عن جماهيرها وتركتهم يعانون حرارة الصيف وبرد الشتاء بعدما تزوجت من قاتل أبيهم؟ ولماذا تصر فتح على اعتبار نفسها سيدة البيت والقرار الفلسطيني رغم أنها بلغت من الضعفِ عِتيًا؟ وهل صح في التجارب القادمة من قلب التاريخ أن حالة التفرد والاقصاء التي يمارسها النظام ضد معارضيه كانت من عوامل نجاحه وساعدته على رفع أسهمه في بورصة الشعب؟ وهل رأيت ذات يوم طيرًا يطير بجناح واحد؟

إن فلسفة التفرد والهيمنة وإقصاء الآخر التي تمارسها فتح الآن ليست وليدة اللحظة، بل هي موجودة منذ نشأة فتح، وإن كانت تشهد حالات مدٍ وجزرٍ في كمية ونوعية الاقصاء وفقًا ظروف المكان والزمان، فالصراعات الدموية التي نشأت بين فصائل فلسطينية في فترة السبعينات وبعدها تشهد بأن فتح كانت تمارس -الأنا الأعلى- بشكلٍ مفرط، ومما يؤكد هذا، وجود حالات انشقاق في صفوفها.

وما إن حطّ الزمان رحاله عند محطة التسعينات من القرن الماضي حتى دخلت فتح باتجاه اوسلو منفردة رغم معارضة فصائل ذات وزنٍ ثقيلٍ في منظمة التحرير مثل الجبهة الشعبية والديمقراطية، وفصائل وازنة من خارج المنظمة مثل حماس والجهاد الإسلامي، ولم يتوقف الإقصاء عند هذا الحد، بل وصل مناحي عديدة منها الالتزام باستحقاقات أوسلو على حساب الثورة والمقاومة الفلسطينية منها إلغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني.

ووصولًا إلى كيفية تعامل فتح مع فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بنجاح كبير، حيث تعاملت فتح الأمر باعتباره إهانة لها ولتاريخها، رغم أن ما حصل لفتح هو من كسب أيدي قادتها الذين ظنوا أنهم فوق فكرة السقوط من الأعلى، فوضعت العراقيل إلى أن وصلنا لعام 2007 وحصل ما حصل.

وبعدها بدأت المساعي لإعادة الوئام بين الإخوة المتحاربين، ورغم أننا نمر بمرحلة تتطلب وجود الكل الفلسطيني في ذات السفينة ليقول الجميع كلمته انطلاقًا من مسؤوليته تجاه شعبه نرى فتح تأخذها العزة بالإثم وتصر على البقاء وحدها متصدرة للمشهد دون شراكة حقيقية من الآخرين لها في قيادة السفينة، رغم أن التجارب أكدت فشلها في ذلك، وبمناسبة الحديث عن فشل أم الجماهير في إنجاز ما قامت لأجله أنقل ما جاء في كتاب "فلسطيني بلا هوية" للقائد صلاح خلف أحد أعمدة الثورة الفلسطينية حيث قال في بداية خاتمة الكتاب (دقت ساعة تقديم كشف الحساب، إذ قد مضت ثلاثون سنة على خروج الشعب الفلسطيني، وعشرون سنة على تأسيس فتح، ولا بد لي من الاعتراف، وبعميق المرارة بأن، وضعنا اليوم هو أسوأ من الوضع الذي دفعنا عام 1958م إلى إنشاء حركتنا، بل إنني أخشى حقًّا أن يكون لا بُدّ من عود على بدء) هذا القول كان عام 1978م، فما سيقول لو قدر الله له أن يبقى على قيد الحياة بيننا الآن؟

ويستمر الاقصاء ليصل إلى استبعاد فصائل وشخصيات وازنة من المشاركة في اجتماعات مؤسسات وأطر فلسطينية مثل المجلس الوطني الفلسطيني وإحضار شخصيات وفصائل ضعيفة في مشهد هزلي يراد له إظهار أن السياسة الفلسطينية تسير وفق نظام (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) لكن الحقيقة أن آلية اتخاذ القرار تتم وفق مبدأ (أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى)، وهذا يؤكد عقلية التهميش التي تعيش وتعشعش في أجندة من يتولى قيادة فتح الآن.

إن محمود عباس الذي هو الآن (رئيس حركة فتح، ورئيس السلطة، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية)، والذي قدم استقالته من رئاسة الوزراء عام 2003م بحجة أن ياسر عرفات يمسك بزمام الأمور كلها ولا يترك له مساحة الحركة بحرية، نراه اليوم يمارس الديكتاتورية المقيتة ضد أي وجهة نظر مخالفة له، ويمارس ما كان يدعي أن ياسر عرفات يمارسه، بل وأكثر، ويمارس ما يسيء للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني من حيث يدري ولا يدري فهو يحاصر غزة ويتآمر عليها ويخنق المقاومة في الضفة.

ختامًا: يحلو لي الإجابة عن الأسئلة التي وردت في بداية المقال، بأنه لا أحد يخفى عليه سياسة فتح المتراخية والمترهلة تجاه ممارسات الاحتلال إلا من بعض الشعارات التي ما قتلت ذبابة كما قال نزار قباني، وأنها تركت أبناءها للذئب الصهيوني يأكلهم بلا رحمة لأنها أقنعتهم بأن البقاء أحياء دون حراك أفضل من الموت، وأظن أن بقاء فتح حتى الآن تتصدر المشهد لا يدل على قوة ذاتية فيها، فهي قد فقدت القدرة على إحداث دسم الدهشة في أي مسار، بل بقاؤها هو بسبب رغبة دولية أمريكية صهيونية كي تنفذ وتخدم دولة الاحتلال، وهكذا تحولت فتح من حركة تقاوم إلى حركة تساوم، وعلينا معرفة أن من يُقصى ابناء الوطن من صناعة الحاضر لن ينال خيرا، وأن عباس الذي يوجه كلامه لحماس (إما نحن وإما هم) يعزف على وتر نظرية سيئة بأن الوطن (أنا أو أنت) رغم وجود قاعدة رائعة تقول (الوطن أنا وأنت) ونسي أو تناسى (تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا.. واذا افترقن تكسرت آحادًا) وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

ملاحظة: لا يمكن لأحد إنكار وجود رجال شرفاء في حركة فتح كانوا وما زالوا، لكنهم وبكل أسف خارج نطاق التأثير.

مواضيع متعلقة: