​في الذكرى السبعين للنكبة.. إلى شعب الجبارين مليون تحية

مفيد أبو شمالة
الثلاثاء ١٥ ٠٥ / ٢٠١٨

بطول شواطئ قطاع غزة الغربية تمتد أمواج البحر الهادرة، موجات حرة تتلوها موجات، ليس لها بداية ولا نهاية، ولا توقفها أي قوة في الكون مهما كانت غاشمة، وبطولها على الحدود الشرقية رسم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بالأمس مشهداً لا يشبهه إلا موج البحر المتتابع، في تسونامي بشري يتقدم بهدوء نحو أراضينا المحتلة عام 1948 بصدور عارية، في تحدٍّ واضح لقوة الاحتلال الصهيوني الغاشمة، وتجاوزت السياج اللاشرعي (الوهمي والزائل)، ليخطوا طريق العودة بدمائهم الزكية مقدمين أرواحهم رخيصة لهدف نبيل.

سبعون عاماً مرت منذ احتلت العصابات الصهيونية أرضنا وأرض أجدادنا، سرقت الأرض وقتل الإنسان وشرد مئات الآلاف من ديارهم، وأقامت زوراً كياناً زائفاً وزائلاً -إن شاء الله- فأصحاب الأرض الشرعيين لم يموتوا ولم ينسوا ولم ينصهروا أو يذوبوا في أي مجتمع آخر بعيداً عن أرضهم، وأن جذورهم الباقية التي امتدت نحو الوطن من تحت الأرض ومن فوق الأرض ستنبت سيقانها وتثمر عودة وحرية واستعادة للحقوق المسلوبة.

هذه اللوحة السريالية التي رسمها الشعب الفلسطيني الصامد في غزة وجميع أنحاء الوطن المغتصب، أقوى من كل محاولات التزييف البائسة التي لم تتوقف طوال سبعين عامًا، ولا أعجب من إرادة شعبنا، إلا غباء عدوّنا الذي لم يفهم الدرس طوال عقود، لم يفهم أن الذين يواجههم ليسوا بشراً عاديين، ولم يفهم أن العالم بأسره إذا وقف في كفة إلى جانب الاحتلال ووقف الشعب الفلسطيني وحده في الجانب الآخر فلن تنتصر إلا إرادة الشعب الفلسطيني، ولن ينال الاحتلال شرعيته ولا في حقه بالبقاء على هذه الأرض ولن تكون له عاصمة لا في القدس ولا غيرها.

الدروس المستفادة:

أولاً: إن الشعب الفلسطيني الذي انطلق في غزة بهذا الزحف الهادر لم يكن موجّهًا من أحد وهذه حقيقة واضحة، بل إن هذا الشعب أثبت لجميع قياداته أنه يتحرك من منطلقات إيمانية عميقة بحقه في الرجوع وأن أي ثمن يمكن أن يدفعه في هذا الاتجاه سيكون رخيصاً، والذي يقول عكس ذلك لا يعرف حقيقة شعبنا البطل.

ثانياً: إن هذا الرد العنيف وبكل هذه القوة من هذا الكيان البشع المجرد من كل نواحي الإنسانية، لن يهزم هذا الشعب ولن يفت من عزيمته التي لا تلين، وإن هذا الرد لم يثبت إلا شيئاً واحداً ألا وهو الوجه الحقيقي البشع لهذا الكيان الغاصب، ويكشف سذاجة من اقتنع برواياته المضللة وأكاذيبه وظن حقاً أن (إسرائيل) دولة حضارية وديمقراطية وواحة للحرية، وكشف أهمية عزلة هذه العصابة ومقاطعتها وفضحها بدلاً من التعامل معها أو تطبيع العلاقات وشراء الأوهام منها، وكذلك فإن بروباجندا نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بالأمس وفي هذا التوقيت بالذات، تؤكد أن كل من يدور في فلك الكيان أو يحاول تثبيت أركانه بمنحه شرعية وهمية، هو مجرم مثله.

ثالثاً: إن خيار شعبنا الحقيقي يكمن في تماسكه ووحدته وأن فصائله السياسية والوطنية المختلفة ليست سوى موجات متتابعة في بحر واحد هو فلسطين، وإن الوحدة الوطنية أصبحت فرضاً واجب التحقيق، فالرصاص الذي أطلق نحو الشهداء والجرحى بالأمس وفي كل وقت لا يفرق بين فلسطيني وآخر.

رابعاً: إن الخيار الوحيد الذي يجب أن نقف وراءه هو خيار المقاومة، بكافة أشكالها، وهذا العدو الجبان يثبت مرة تلو أخرى أنه لن يقدم حقوق شعبنا على طبق من ذهب، وأن اللغة الوحيدة التي يفهمها هي لغة القوة، وأن هذا الاستهتار بعذاب ومعاناة شعب بأكمله بسلب المقدرات ومصادرة الحقوق ونهب الأرض وقتل الإنسان وحصاره وتجويعه لا يرد عليه بالاستجداء، وأنه لا يضيع حق وراءه مقاوم.

سلام على شعب الجبارين في ذكرى النكبة، وسلام لأرواح الشهداء التي قُدمت رخيصة على طريق العودة، وبرد وسلام لكل الجرحى الذين يخلدون على أسرة الراحة –راحة المحارب- ليعودوا أصلب عوداً وأقوى عزيمة وتصميماً على العودة، وسلام على أرواح كل الكبار الذين لم يموتوا قبل أن يعلموا أبناءهم بأن لهم وطناً هناك تهون أمام العودة إليه كل التضحيات، ومليون سلام لكل أبناء شعبنا في كل أماكن تواجدهم، وإنا حتماً لعائدون.