حكايات لا ينساها طلبةٌ ضحايا للتنسيق الأمني بالضفة

رام الله-غزة/ جمال غيث

لم تدم فرحة الشاب محمد بتخرجه في الجامعة طويلًا، فسرعان ما استدعته أجهزة أمن السلطة في رام الله، للتحقيق معه بشأن انتمائه للكتلة الإسلامية الجناح الطلابي لحركة المقاومة الإسلامية حماس.

وتخرج هذا الشاب (فضل عدم كشف اسمه كاملًا) بعد سبع سنوات من التحاقه بجامعة بير زيت (أعلى من المدة المفترضة للدراسة الجامعية)، بسبب اعتقاله واستدعائه المتكرر من قبل جهاز المخابرات التابع للسلطة، والاحتلال الإسرائيلي.

وبلغ مجموع سنوات الاعتقال لمحمد ثلاثة أعوام، أمضاها في سجون السلطة وسجون الاحتلال الإسرائيلي.

وتتبع الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية المحتلة والاحتلال الإسرائيلي سياسة التنسيق الأمني، في حين يرى مراقبون أن "أمن السلطة" يمارس أيضًا ما يعرف بسياسة "الباب الدوار" مع أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة الطلبة والمقاومين في الضفة المحتلة.

ويرى محمد في حديث مع صحيفة "فلسطين" ذلك محاولة لتضييق الخناق على الطلبة والمقاومين، لثنيهم عن مواصلة نضالهم، وترسيخ ثقافة الاستسلام التي يروج لها بعض.

و"التنسيق الأمني" أحد بنود اتفاق "أوسلو" الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال سنة 1993م، وينص على تبادل المعلومات بين الأمن الفلسطيني وأجهزة الاحتلال.

ويُعتقد أن بدايات التنسيق الأمني تعود إلى ما قبل اتفاقية أوسلو، التي تبعها إنشاء السلطة الفلسطينية، وتوقيعها الاتفاقية التي كبلتها بالتزامات أمنية وسياسية واقتصادية.

ونصت رسالة من الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى رئيس وزراء الاحتلال إسحاق رابين آنذاك قبل توقيع اتفاق أوسلو على تعهد منظمة التحرير الفلسطينية (قبل تأسيس السلطة) بملاحقة ما وصفته الرسالة بـ"الإرهاب والإرهابيين"، ثم جاء اتفاق "أوسلو" لينص على إقامة تنسيق أمني بين السلطة والاحتلال.

ويلفت محمد إلى أنه في كل مرة اعتقلته السلطة فيها كان يفاجأ في اليوم الثاني باستدعاء الاحتلال الإسرائيلي له، ليحقق معه في التهم التي وجهت إليه في مقر مخابرات السلطة.

يقول: "كنت أمضى مدة أسبوع في مقر المخابرات التابع للسلطة خلاله أعذب وأشبح وتوجه إلي الإهانات والشتائم البذيئة، وكان المحققون يبصقون علي، وبعد أسبوع من المعاناة يطلق سراحي دون عرضي على النيابة".

ويشير إلى أن السلطة كانت تلفق التهم لطلبة "الكتلة الإسلامية" وتمنع تواصلهم، في محاولة منها لقطع الطريق أمامهم، حتى يخضعوا لإملاءات السلطة والاحتلال الإسرائيلي.

ويستذكر محاولات اعتقاله من قبل السلطة والاحتلال الإسرائيلي: "خلال 2015م قبل يومين من إقامة مهرجان للكتلة في جامعة بير زيت ومع اقتراب موعد انتخاب مجلس الطلبة، اعتقل عدد من طلبة الكتلة الإسلامية"، مضيفًا: "غادرت يومها منزلي (لئلا تعتقله أجهزة السلطة) وحضرت يوم المهرجان وشاركت فيه، وبعد انتهاء الحفل اعتقلني جهاز المخابرات، وانهالت عناصره علي بالضرب المبرح، وأطلق سراحي في اليوم الثاني لتعتقلني قوات الاحتلال الإسرائيلي".

وعادة ما تتسارع وتيرة سياسة "الباب الدوار" القائمة على "التنسيق الأمني" مع اقتراب الانتخابات الطلابية في الجامعات الفلسطينية ومع استمرار انتفاضة القدس، إذ اعتقلت أجهزة السلطة ولا تزال تعتقل وتستدعي العديد من أبناء الكتلة الإسلامية، في وقت تزامنت فيه هذه الحملة وأخرى موازية تقودها قوات الاحتلال ضد الكتلة في الضفة.

"توقيف همجي"

ولا يختلف الحال كثيرًا لدى الطالب يحيى الذي تأخر التحاقه بالجامعة عامًا، بسبب اعتقاله في أثناء تقديم امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) على يد السلطة والاحتلال الإسرائيلي، لانتمائه إلى الكتلة الإسلامية.

يبين هذا الشاب الذي فضّل كذلك عدم كشف اسمه كاملًا لصحيفة "فلسطين" أنه يرفض أوامر الاستدعاء التي يوجهها إليه بين الفينة والأخرى "مخابرات السلطة"، "لأنها اعتقالات سياسية تخالف قوانين الحريات".

ويقول: "في نيسان (أبريل) الماضي قبل وصولي إلى مقر الجامعة أوقفت بهمجية واعتدي علي بالضرب المبرح، حتى وجدتني في مقر جهاز المخابرات، حيث شبحت وضربت مجددًا، دون معرفة السبب".

ويفيد يحيى بأن التحقيق دار معه ثماني ساعات عن نشاطه في الكتلة الإسلامية داخل الجامعة، والأهداف التي يسعى إليها، لافتًا إلى أنه بعد أيام نقل إلى النيابة العامة التي اتهمته بـ"حيازة أموال غير مشروعة، وتلقي أموال من جهات خارجية".

ويشير إلى اعتقاله على يد الاحتلال، عقب الإفراج عنه من مقار السلطة الأمنية.

ويأمل يحيى أن توقف السلطة التنسيق الأمني، وأن تعمل على "حماية ظهر الطلبة والمقاومة".

القصة نفسها تكررت مع الطالب وعد، الذي اعتقله أكثر من مرة "مخابرات السلطة"، ومرة واحدة الاحتلال الإسرائيلي، على خلفية نشاطه في الكتلة الإسلامية.

يبين وعد لصحيفة "فلسطين" طالبًا عدم كشف اسمه كاملًا أنه حُرِم التقدم لامتحان نهاية الفصل الدراسي الأول في الجامعة، بسبب استدعائه المتكرر من قبل أجهزة أمن السلطة، مشيرًا إلى أنه مكث في كل استدعاء ثلاثة أيام قبل إطلاق سراحه.

وفوجئ عند اعتقاله على يد قوات الاحتلال بضحكات قادة الاحتلال وهم يدققون في ملف وضع أمامهم؛ فالأسئلة والتهم التي وجهت إليه لا تختلف مطلقًا عما وجهه إليه المحققون في جهاز المخابرات التابع للسلطة.

ويقول وعد: "إن جهازي المخابرات التابعين للسلطة والاحتلال الإسرائيلي يكمل أحدهما دور الآخر، فما إن تعتقل السلطة طالبًا وتفرج عنه حتى يعتقله الاحتلال ويحقق معه موجهًا إليه التهم نفسها التي وجهتها إليه السلطة".

وكان رئيس السلطة محمود عباس وصف التنسيق الأمني بين سلطته والاحتلال الإسرائيلي بأنه "مقدس".

ولم تفلح قرارات المجلس المركزي الشهر الماضي، ولا تلك التي اتخذها في آذار (مارس) 2015م بوقف التنسيق الأمني على أرض الواقع.

ويقول مراقبون إن الاتفاقات بين السلطة والاحتلال تبنت الوظيفة الأمنية مقياسًا لمدى كفاءة الأولى، وما يمكن أن يمنحها إياه كيان الاحتلال من امتيازات في المقابل.