حكاية الراتب والمكافح والإسعاف

غزة/ نبيل سنونو:

شوارع غزة العتيقة تحكي قصص أهلها في نهار رمضان وليله، في كل ركن منها ألف حكاية وحكاية للمكافح الساعي لطلب رزقه، والموظف الذي "تطحن" حياته السياسة "العباسية"، وسيارة الإسعاف التي يتجنّد الجميع لإفساح الطريق لها وإنقاذ حياة من فيها.

كلٌّ منهم قد لا يقص الحكاية، ولكن عيونهم هي التي ترسم مشاهدها، وكما أن الصورة "بألف كلمة" كذلك حال العيون ونظراتها.

سؤال بلا جواب

توارت أنظاره إذ يقول لصاحبه عن أحد موظفي السلطة في قطاع غزة: "انقطع راتبه"، كأنما حلّ به خجلٌ من ذنب لم يفعله، وإنما الذي فعل هو السلطة التي لم تخجل من ذلك ولم تعد راتبه.

سار الاثنان في شارع تسلط عليه الشمس أشعتها الذهبية، ويعود فيه إليهما صدى صوتيهما حينما لم يكن الناس قد انتشروا هناك بعد.

نثرت آثار الصيام نفسها على أحباله الصوتية أو أن هول العقوبات هو مَن فعل، وقال أحدهما بصوت متقطع: "رمضان إجا، كيف يتدبر أمره؟!"، في حين كان السامع يهز رأسه.

طرح السؤال، لكنه حتمًا لم يحصل على إجابة، وبقي راتب الموظف مقطوعًا حاله كحال غيره من الذين تحوّل حقهم في لقمة العيش إلى مطلب مستحيل.

مضى كلٌّ منهما إلى حال سبيله وتفرقا، كما تفرق من قبل ذلك الموظف وراتبه دون عودة، بفعل السياسة "العباسية" (نسبةً إلى رئيس السلطة محمود عباس).

كفاح

يجلس خلف بسطته ويلقي التحية على من ، ربما لجذب انتباههم إلى بضاعته، وإنْ كانت هي بألوانها الزاهية وحدها كفيلة بفعل ذلك.

هذه البضاعة ليست بآلاف الدولارات، ولا يبدو أن بائعها يملك من الدولارات شيئًا، إنها مجرد بالونات للأطفال، لكنه ينظر إليها وسيلة يكسب بها قوت يومه بعرق جبينه.

وهذا البائع ليس بحال صحية جيدة كباقي البشر، وإنما خُلِق مقعدًا، ومع ذلك لم يختر أن يجلس في صفوف المتسولين، وقرر إثبات أن العلة ليست بالجسد بل الكسل.

تصب الشمس حرارتها فوق رأسه صبًّا، لكنه يصمم على البقاء في ميدان "معركة" طلب الرزق.

وعندما ينال فعله إعجاب بعض المارة ويلتقطون معه صورًا؛ يتمنى عليهم أن يكتبوا عنه كلامًا حسنًا حيثما نشروا الصورة، وقد وعده أحدهم بأن يخبر الآخرين بأنه "مكافح، وأنموذج للشاب الفلسطيني"، فتبسم ضاحكًا.

وتلك سيدة ستينية تتمترس في سوق قديم بغزة خلف بعض حزم النعناع، وقطع الجبن المنزلي، تبتغي من المشترين إقبالًا.

لا تقبل هذه المرأة التي تتوشح بثوب تراثي وطني أبدًا التقاط الصور لها، لأنها تعتمد مبدأ دائمًا مفاده "أنها تعمل وتكافح لستر أسرتها، ولا ترجو أمام ذلك الشهرة بل الأجر".

تنادي بصوتها الناعم إلا من بعض عثرات الزمن: "نعناع" فتخطف أنظار المارة، وتتباين مواقفهم بين مشترٍ يحتاج للنعناع فعلًا، وثان يشتري لدعم عمل المرأة، وآخر لا يلقي للأمر بالًا.

صف واحد

أطلق السائقون أبواق سياراتهم إذ سعى كل منهم إلى إزاحة الآخر، كأنما كانوا في سباق سيحظى الفائز فيه بجائزة دولية.

يبدو ذلك مشهدًا مألوفًا عند بعض، خصوصًا في نهار رمضان الذي تزاحم فيه سيارات نظيراتها، وإنْ لم يكن هناك زحام.

لكن سرعان ما تحول هذا التسابق إلى تعاون عندما "اشتعلت" شارة إسعاف حمراء، واخترق صوتها المدوي مسامع كل سائقي تلك السيارات، في رسالة هم أكثر من يفهمها وهم الذين ذاقوا ويلات الاحتلال الذي طالما أوقع مصابين منهم: ثمة من ينتظر الوصول سريعًا إلى المستشفى لإنقاذ حياته.

اتخذ السائقون قرارًا سريعًا واتجهوا بمركباتهم نحو اليمين، دون أي استثناء لهذه القاعدة، وشكلوا صفًّا واحدًا يتيح لسيارة الإسعاف المرور، وأثبتوا أنهم قادرون على ترسيخ النظام، وإيثار الآخرين على أنفسهم، تضامنًا ومؤازرة مع من ينقله المسعفون بالحياة.