​هل نحن عرب؟

إلياس خوري


ترددت طويلا قبل كتابة هذا المقال لسببين؟

الأول هو العنوان، فالضمير المستخدم يُحيل إلى الجماعة، هل يحق لي أن أكتب عن نحن؟ ومن نحن إذا شكّكنا في هُويتنا؟ النحن يجب أن تستبدل بأنا كي يستقيم الكلام، لكن أن أسأل هل أنا عربي كما نويت في البداية تزيل عامل الشك في الهُوية الجمعية، فيبدو وكأن الفرد يريد أن يخرج من هُويته، بينما المقصود هو طرح السؤال على هذه الهُوية بالذات.

والثاني هو كلمة عرب، هل يصحّ التشكيك في الهُوية العربية اليوم، ونحن نراها تتفكك وتتحطم على أيدي الجماعات الطائفية ومستبدي هذا الزمن وأثرياء لحظتنا المنقلبة؟

ورغم هذين الترددين قررت أن أطرح سؤالي. فنحن نشهد منذ عقود انهيارا لمعنى العروبة التي صارت ألعوبة بأيدي المستبدين قبل أن تدمرها التيارات الأصولية. أما الأوطان التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى فإنها تفقد شرعيتها أمام تنامي الطائفيات المتوحشة، حتى فلسطين، التي كانت الرابط الوجداني بين العرب واسمهم امتُهِنَت على أيدي المستبدين.

يبدو سؤالي غريبًا عني، فلقد نشأ وعيِ الأول على ضفاف الانبهار بلغة العرب وتاريخهم وشعرهم ونثرهم، من روايات جرجي زيدان إلى «ديوان الحماسة» لأبي تمام، ومن شعر الملك الضلّيل إلى حكايات شهرزاد. وعندما جرحت الهزيمة الحزيرانية المروعة وعينا العربي وكشفت لنا هشاشة البنيان الذي بناه الضباط على فتات الفكر القومي العربي، جاءت فلسطين وقضيتها لتبلسم الجرح وتعطي للعروبة معناها الأخلاقي والنضالي.

لكن ما فات جيلي ونحن نندفع لاستقبال البديل الفلسطيني، هو أن فلسطين وضعتنا في تماس صادم مع مشكلاتنا الاجتماعية العميقة، فكان أيلول الأسود عام 1970 بداية الأسئلة، التي سرعان ما انفجرت مع انفجار لبنان المروع في حربه الأهلية المستمرة منذ عام 1975. ومع الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وما استتبعه الانسحاب الإسرائيلي من حروب داخلية مدمرة بدأت بحرب المخيمات، اكتشفت فلسطين أنها وحدها، وصارت صرخة «أيها الوحدك» عنوانا لكل العرب الذين تركهم الانهيار الحزيراني من دون قيادة.

حين ننظر إلى الوراء، من بحار الدم والألم التي يغرق فيها المشرق العربي، نكتشف أن ما تبقى من العروبة هو حقيقتها الأدبية. صناع النهضة، أو ما نطلق عليه اليوم اسم النهضة كانوا مجموعة من اللغويين والأدباء. من الشدياق إلى السيّاب ودرويش ومحفوظ، كان المسار المشرقي محكوما بإيقاع وحيد هو إيقاع الأدب، الذي حاول أن يجسّد الفكرة العربية في اللغة والنتاج الفني، أما في الحقول الأخرى: السياسة والفكر الفلسفي والاجتماعي، فكانت العروبة أسيرة رومانسيات عفلق والأرسوزي أو دعوات الحصري والفكر المتأثر بالفاشية، ما سمح للضباط بامتطائها وتحويل الحياة العربية إلى كابوس من الرطانة اللغوية والقمع الأسود الذي وصل إلى ذروته مع الفشل المأساوي للناصرية في المواجهة العسكرية عام 1967.

انحلت الناصرية إلى أشكال كاريكاتيرية رثة مع ورثاء ناصر، وجاءت الحقبة السعودية التي تصدت لقيادة العالم العربي نحو الهاوية، وهي الدولة التي حاربت الفكرة العربية طويلا باسم الإسلام!

مع انحلال عروبة الضباط حصل تطور شبيه للمشاريع القومية القطرية التي كانت في صدام مع الفكرة العربية، كالقومية اللبنانية المبنية على الأسطورة الفينيقية أو القومية المصرية الفرعونية أو القومية السورية الجغرافية. سقطت الفكرة العربية ومعها سقطت هذه الدعوات القومية الصغرى أيضا، فضرب الدول تفكك طائفي وديني، وبدلا من أن يصير القطر هو الدولة الأمة، تهاوت الأقطار وتفككت الأمم، وارتفعت دعوات التقسيم وصار المشرق ملعبا للقوى الكولونيالية القديمة والجديدة.

أما صورة العربي فقد تراوحت بين الحنين إلى ماض مفقود والعيش في حاضر محطّم، فتحنا كوة الماضي كي نهرب من الحاضر، لكن بدل أن يأتينا صلاح الدين أو الظاهر بيبرس محررَين أتانا العسكر الذين فتحوا الطريق أمام مماليك التيارات الأصولية، فسقطنا قتلى وأسرى بين أيدي جنكيز خان وتيمورلنك، ورأينا جحافل المغول الجدد تمزق بلادنا التي جعلها الاستبداد خرقة مثقوبة بالطائفيات والأصوليات المتنوعة.

نبحث عن صورة العربي فلا نجدها إلا ملحا يتكدّس في مدن الملح، أو طوائف ملوكها من الأعاجم، أو قوات احتلال إسرائيلية وأمريكية وروسية وإيرانية وتركية تتقاسم بلادنا بالنار، وترسم حدود مناطق نفوذها بأشلائنا.

لم يعد هناك من يحمل هُوية وطنية في بلاد العرب، حتى الذين يقولون بأن هُويتهم لا تزال متماسكة في دول مثل مصر ولبنان والعراق يعرفون أنهم يعيشون تشظيا طائفيا ومذهبيا وأنهم يكذبون.

أطلقت (إسرائيل) على فلسطينيي 1948 اسم (عرب إسرائيل) كي تتجنب استخدام اسمهم الفلسطيني، لعل العرب الوحيدين اليوم هم الفلسطينيون في نكبتهم المستمرة، لا لتفوق فلسطيني في صوغ الهوية، بل لأن عدوهم المحتل أنساهم هوياتهم الصغيرة، وأكثر ما نخشاه اليوم هو أن تلتهمهم نار الهويات الصغيرة العربية، فتطيحهم وتطيح قضيتهم.

أزمة الفكرة العربية تتخذ اليوم شكل الكارثة التي تحلّ بأرض العرب، فالفكرة العربية رغم كل شيء حملت احتمال منطقتنا الوحيد للخروج من الماضي العثماني والإرث الكولونيالي الثقيل، لكنها لم تستطع أن تبلور آليات هذا الخروج ومتطلباته الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فسقطت ضحية نفسها قبل أن تسقط ضحية أعدائها. وكان عجزها عن مواجهة النكبة المستمرة هو مؤشر عجزها عن بناء جيوش حديثة للدفاع عن الوطن، فاقتصرت مهمة الجيوش على حماية الأنظمة الاستبدادية وقمع المجتمع.

لكننا عرب لأننا لا نستطيع أن نكون شيئا آخر، إلا إذا ارتضينا لأنفسنا مهانة الطوائف والقبائل، وقبلنا أن نكون عبيدا للقوى الأجنبية الكولونيالية التي تتلاعب بنا.

إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني ضرورة إعادة تحديد معنى العروبة بصفتها رابطة ثقافية وسياسية واقتصادية لا يمكن تجديدها إلا عبر الحرية والديمقراطية، عروبة متعددة منفتحة على التعدد اللغوي والثقافي، قوامها المواطنة والمساواة وفصل الدين عن الدولة، وأفقها هو الحرية والاستقلال.

من هنا نستطيع أن نبدأ، والبداية لا تكون إلا عبر قطيعة جذرية مع عروبة الاستبداد والرومانسية والفاشية، ومحاولة لصوغ الأوطان من جديد رغم كل الأسى والألم واليأس.

مواضيع متعلقة: