​هل سمعت بـ"حارة اليهود" في مدينة غزة؟

غزة - شيماء العمصي

لربما يستثير اسمها بعضنا ونندهش منه, "حارة اليهود" اسم يطلق على حارة يسكنها فلسطينيون غزيون وليسوا يهودًا، لكن لماذا سميت بهذا الاسم؟

الحارة مقامة على أطراف حي الزيتون، شرق شارع صلاح الدين، شرقي مدينة غزة، وتقطنها عدد من العائلات الغزية, ولتجد نفسك فيها تصعد أربع درجات في حارة بعض مبانيها قديمة تظهر عليها آثار القدم, فالشقوق التي في جدرانها تروي لنا قدم هذه المباني كقدم حارة اليهود, هواء عليل وشمس ساطعة، وسكان رائعون، جلهم كبار في السن.

مراسلة صحيفة فلسطين تجولت في هذه الحارة، وهي أقرب إلى أن تكون شارعًا على طرفيه بيوت متلاصقة، لتلتقي الحاج أبا زكي الصوص, الذي استقبلها بابتسامة كشفت عن تجاعيد سنه التي وصلت إلى الثمانين.

وعلى باب منزله أصر أن نجلس وإياه في هذه الحارة، بدلًا من الحديث وقوفًا, ليروي لنا قصة تلك الحارة الغريبة الاسم، إذ قال لـ"فلسطين": "إن سبب تسمية الحارة هذا الاسم (حارة اليهود) يعود إلى أرض زراعية لعائلة فلسطينية مسلمة، ثم تحولت تلك الأرض إلى مقبرة تضم نحو 12 قبرًا".

مساحتها أربعة دونمات كما قدرها أبو زكي، الذي أضاف: "إن اليهودي الذي استوطنها باعها بـ40 قرشًا إسرائيليًّا بعد أن أصبحت مقبرة لجثث اليهود, وكانت تزرع بمحاصيل القمح والشعير بعد أن استأجرتها الأوقاف في ذلك الوقت، ثم منحها الحاكم التركي لعائلة فلسطينية يهودية الديانة من جانب إنساني، ليدفن فيها موتى الفلسطينيين من أصحاب الديانة اليهودية".

تجاعيد يديه ووجهه أعادتنا إلى رائحة خبز الطابون الذي اشتهرت به تلك الحارة، وشجرات الجميز ومحاصيل القمح، التي سرعان ما اقتلعت لتحتل الحجارة مكانها والعمائر السكنية.

تابع الحاج أبو زكي تفاصيل الحكاية: "كانت مدينة غزة تحتاج إلى التوسع في البنية التحتية حتى تلائم التطور, خاصة مع وجود سكة قطار بالمدينة، دفعت نائب الحاكم المصري الملقب بـ"الخفاجة" إلى هدم منازل المواطنين المقامة على شارع صلاح الدين، بغرض التوسع".

وأكمل قائلًا: "إن الخفاجة قسم مقبرة اليهود التي كانت أرضًا زراعية إلى أرقام ليوزعها على المتضررين، فأصبحت المنطقة مأهولة بالسكان, ومع نكسة حزيران عام 1967م جاء الإسرائيليون إلى المنطقة التي أقيمت عليها المقبرة اليهودية، وحاولوا الاستيلاء عليها، لكنهم فشلوا بسبب إرادتنا وأوراق الملكية التي كانت معنا, ولم يستطيعوا إخراجنا وبقيت الأرض لنا، وبقي الاسم متعارف عليه باسم شارع اليهود أو حارة اليهود".

وعن أبرز العائلات التي تسكن حارة اليهود قال أبو زكي: "عائلتي (الصوص) من تلك العائلات التي تقطن الحارة, وعائلات أخرى منها: عائلة عوض، وجحا، والعايدي، وأبو وادي، والحاج أحمد، وغيرها من العائلات التي سكنت الشارع حديثًا, ومعالم الحارة التي ظلت تحمل اسم اليهود تغيرت، واختفت المقبرة تحت المباني والعمارات السكنية تلك".

على عتبات منزل إسبستي السقف وجدرانه متشققة تجلس أم إبراهيم، التي هي جارة لبيت أبي زكي الصوص, ترمق مراسلة صحيفة "فلسطين" بنظرات غريبة، ما دفع المراسلة إلى إلقاء السلام عليها والجلوس برفقتها, فبادرت أم إبراهيم بالسؤال: "إيش في؟".

فما كان من مراسلتنا إلا أن تجيبها قائلة: "جايين لحتى نسألك يا حاجة هادي الحارة ليش سموها حارة اليهود؟".

وبتنهيدة بسيطة كانت إجابتها: "اليهود الله "ينكب" اليهود, يعتقدون أن هذه الأرض لهم, وأنهم إن دفنوا نفرًا منهم بهذه المنطقة فمعناه أن الحارة أصبحت لهم, ولكن الحمد الله بفضل إصرار الأهل في هذه الحارة طردوا منها, ولكن بقيت الحارة بهذا الاسم".

رحل اليهود عن غزة وبقي اسمهم مرتبطًا بهذه الحارة شأنها شأن كثير من المعالم الأثرية في غزة، يغادرها منشئوها وساكنوها الأصليون، ويبقى الاسم في أذهان الناس إلى يوم يبعثون.