​"حركة فتح".. الثورة الموؤودة!

عبد الله العقاد
السبت ١٢ ٠٥ / ٢٠١٨

"فلسطين أولًا"، لم يكن شعارًا أجوف بل مبدأ، هكذا وجد فيه الشهيد خليل الوزير ما يبرر ذهابه بالعمل منفردًا عن حركته، الإخوان المسلمين، التي نشأ في أحضانها، وتعلم مبادئها الفكرية، ونهجها الإصلاحي، وقد مثّلها في رئاسته الاتحاد الطلابي في المرحلة الثانوية بغزة في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي.

وتحت قناعته بمبدئيّة مركزيّة العمل لفلسطين، تشكّلت مجموعات سريّة عسكريّة في غزة هاشم، اقتحمت مرارًا خطوط ما سمّي بـ «الهدنة» التي تحول دون أرضنا التي قامت عليها الدولة اللقيطة (إسرائيل).

وبهذا وجدت حركة فتح من قضيّة فلسطين ليس مدخلًا للنّضال الوطني فحسب، بل مدخلًا أساسًا للوحدة العربية؛ فلم تجد في انتظار الوحدة العربية طريقًا لتحرير فلسطين، كما كانت تنادي القومية العربية بنسختيها الناصرية والبعثية.

وعلى هذه الأرضيّة الثّوريّة تأسست انطلاقة حركة فتح يوم التقى الراحل أبو عمار بالشهيد الوزير في غزة، وقد اكتمل البناء الثّوري في إطار حركة وطنيّة مع مطلع الستينيات في دولة الكويت، وصدر البيان الأول في 1/1/1965، متزامنًا مع تنفيذ عمليّة «عيلبون»، والتي استهدفت مصالح صهيونيّة على أرض النقب المحتلة.

عندها كان الميلاد حركة فلسطينيّة جديدة سُميت بحركة التّحرير الوطني الفلسطيني «فتح»؛ لتجعل من «التحرير» هدفًا إستراتيجيًا، تجيّش الكلّ الفلسطينيّ بعيدًا عن الدّين والمذهب والأيديولوجيا..

والعمل بالموازاة نحو تثوير شعوب الطوق العربي لاسترداد الأرض العربيّة، وعودة أهلها المهجّرين إليها حق العودة، وقد اقتلعوا منها عنوة؛ لتُقام على الأرض المحررة بعد كنس الاحتلال الدّولة الفلسطينيّة تقرير المصير.

بهذه المرتكزات الثّلاث كان قيام هذه الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة: فلسطين أولًا، وتوحيد الشّعب الفلسطيني كلّه نحو الهدف (التحرير، والعودة، وتقرير المصير)، وتثوير المحيط العربي ليكون داعمًا أساسيًّا في معركة التحرير الكبرى.

غير أنّ حرب حزيران 1967 وهي ما سميت بـ «النكسة»؛ لما استجلبته من كوارث سياسية في ظلّ واقعٍ عربي مَهين، بأنّ تصبح الدولة اللقيطة في ذروة غطرستها، أما وقد طوت تحت سيطرتها في أيام قلائل ما يزيد على ثلاثة أضعاف من الأرض قبل هذا التاريخ؛ فتنتقل من حالة الترقب والانتظار للقادم المجهول إلى موقع الهجوم المستمر عبر ذراعها الطائلة (سلاح الجو)، الذي أنهى المعركة، وحسم نتائجها قبل أن تبدأ!

وقد وقعت كلّ فلسطين تحت نير الاحتلال الصهيوني وما صاحبه من مجازر، وترويع، وترحيل جماعي للشّباب، وكثير من الأسر الفلسطينيّة بشكل مُذل، ما زالت ذكراه عالقة في جيل كامل، كانت وما زالت النكبة ومصائبها حاضرة في ذهنيّته لم تُطوَ بعد!

فأمام هذا الواقع الذي تصاعدت أحداثه بشكل دراماتيكي خطير، انعكس على بنية التّفكير الغضة لهذه الحركة التي لم يمضِ على انطلاقتها غير أعوام ثلاثة، وما زالت في أطوار مهدها الأولى.

وهنا كانت إرهاصات الميلاد الثاني، والانتقال النوعي من هدف التّحرير الكامل للأرض الفلسطينية، إلى مسار التحريك الشامل لما يُمكن من أساليب وأدوات نضالية؛ بهدف الحفاظ على الهُويّة السّياسيّة الفلسطينيّة (حفظ الذّات) من الذّوبان في ظلّ ما خلفته الأحداث من تداعيات كبيرة.

غير أنّ هذا التّحول النّوعي في هذا الاتجاه كان يَحول دونه مَصدٌّ كبيرٌ في هيئة تيارٍ متجذر في حركة فتح، مصممٌ بالثّبات على المبادئ التي انطلقت الحركة منها، وحكمت بها مسيرها الأول، وهذا التّيار كان متعززًا بجيش العاصفة.

وفي المقابل، كان التّوجه الآخر الذي وجد فيما آلت إليه الأحداث مدعاة لإزاحة الدّفة باتجاه مرفأ آمن في بحر واقع عربي تتجاذبه تيارات متعارضة، وما تنخر فيه من الهزائم.

فانعقد «المؤتمر الثاني» لحركة فتح 1968 في سوريا دون تمثيل التيار الثوري الأول، بعد أن استبقى قائده المؤسس «أبو عبيدة مسودي» في مصر بذريعة تلقيه العلاج.

فخرج ذلك المؤتمر بنتائج ومقرّرات تحمل كامل توجهات التوجه الذي يمكن أن نسميه «البراغماتي».

وهذا وغيره ما فتَحَ المجال أمام حركة فتح أن تلج بوابة منظمة التحرير؛ لتصبح إطارًا رسميًّا جامعًا للقوى الفلسطينية، لكيلا تخرج عن القرار العربي الرسمي.

وهنا يجدر إدراك حجم تأثير دول الإقليم في القرار الفلسطيني، وأنّ ما يُمكن أن نسمّيه بالقرار الفلسطيني المستقل لا يتعدَّى حدود المناورة، إلا في بعض التكتيكات الجزئيّة البسيطة التي لا تخرج عن التوجه العام لما يريده القرار الرسمي العربي المحكوم هو الآخر بسقفٍ دولي محدد جدًّا، فيما يُسمى بالشّرعية الدّوليّة التي انبنت على مجموع قرارات لدول عظمى قامت عظمتها على أنقاض السلطنة العثمانية التي امتد سلطانها على أجزاء واسعة من القارات القديمة الثلاث.

ومع مقررات ونتائج «المؤتمر الثاني» فقد تمّ تجاوز الحالة الثّوريّة الأولى، وتغافل لكلّ التّيار الذي كان ما زال يُمثلها؛ ليبدأ مسار البحث عن الكيانيّة الفلسطينيّة، ولو على أي جزءٍ يتم تحريره من الأرض الفلسطينية، بغض النّظر عن كيفية غروب الاحتلال عن هذا الجزء.

وهذا ما شرّع فَتح الخطوط الخلفية في سياق الحديث عن تسويات سياسية مع الاحتلال، والتي لم تنتهِ بإعلان قيام الدولة المستقلة في المنفى، قبل أن يغرب الاحتلال عن أيٍّ من الأرض الفلسطينية.

وذلك، في 14 نوفمبر 1988، بانعقاد المجلس الوطني في دورته العادية بالجزائر، واكتفت مذكرة إعلان الاستقلال بالبيان الذي يضع حدًّا للحلم الفلسطيني على حدود ما سمي الرابع من حزيران، وعاصمتها القدس «الشرقية»، استنادًا لقراري مجلس الأمن 242 و338، وما به من اختلاف في التفسير بين القراءة الفرنسية، والقراءة الإنجليزية «الانسحاب من الأراضي، أو الانسحاب من أراضٍ احتُلت…».

ويستمر الولوج في نفق التسوية، حتى وجدنا أنفسنا في متاهات الحل المرحلي لجزءٍ من الأرض الفلسطينيّة، وهذا ما كان بتوقيع اتفاق المبادئ والتفاهمات (أوسلو)، تحت عنوان غزة أريحا أولًا.

فما كان حاضرًا في «المؤتمر الثاني»، والذي يُعدّ أول مؤتمر يؤرخ مؤتمرات لحركة فتح، وفيه تمّ تداول المواقع الرسميّة داخل الحركة، بعد رحلة التأسيس التي سبقت الإعلان بسنوات تزيد على العشر، ومن هنا انتقلت حركة فتح من القيادة الجماعية (المجلس المركزي) إلى قيادة الزعيم حتى انتهى الأمر إلى وأد المؤسسات الحركية كلّها، وكذا ما جرى كل مؤسسات (م. ت. ف) تحت عباءة زعيم لا يريهم إلا ما يرى.

مواضيع متعلقة: