حسين نصر الله.. وزع الحلوى على أحبابه ثم استشهد

غزة- عبد الرحمن الطهراوي

صباح 12 كانون الأول (ديسمبر) 2017م بدا للوهلة الأولى عاديًّا لعائلة الحاج غازي نصر الله، هي نفسها تفاصيل كل يوم، حسين الابن الأوسط يسارع الخطى ليلقي على والده ووالدته تحية الصباح، وزوجته تلحق به بعد دقائق مصطحبة معها إبريق الشاي، وابنهما البكر "عبد الرحمن" ذا الـ13 يومًا.

تحت أشجار الزيتون والليمون في فناء المنزل، غرب مدينة غزة، راح أربعتهم يتناولون الشاي تحت أشعة الشمس الدافئة ويتبادلون أطراف الحديث، إلا حسين، فكان تارة منشغلًا بمحاولة إيقاظ "عبود" كي يداعبه قبل أن يخرج إلى مقصده، وتارة يتأمل وجوه الجالسين بابتسامة خفيفة.

أخيرًا، استيقظ عبود، فطبع والده على جبينه الصغير قبلة الصباح، ثم ناوله إلى جده وهم بالخروج من المنزل، حينها انفجر عبود بالبكاء، فاضطر حسين إلى العودة ومداعبة ابنه مجددًا، موزعًا على والديه وزوجته حبيبات "حامضة حلوة" كانت عالقة في جيبه، إلى أن هدأ روع عبد الرحمن، فغادر تاركًا ابتسامته.

وبعدما انفضت جلسة الصباح انشغل أفراد العائلة في إنجاز أعمالهم الحياتية المعتادة، ولكن الوالد ظل في مكانه محاولًا فك شيفرة اجتماع صمت حسين غير المعتاد مع ابتسامته المعتادة، إلى أن جاءه الجواب الشافي على هيئة خبر صاعق بعد الساعة الواحدة ظهرًا.

وكان الخبر: "سرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي تعلن ارتقاء الشهيدين حسين غازي نصر الله، ومصطفى مفيد السلطان، في أثناء مهمة جهادية شمال قطاع غزة، وهما من عناصر وحدة الهندسة التابعة لها".

"الحمد الله، تمنى الشهادة ونالها، في الجنة يا حبيبي قلبي" هذا ما قاله الوالد فور تلقيه خبر استشهاد حسين (25 عامًا)، أما الوالدة الصابرة فما ودعت فلذة كبدها المسجى إلا بدعوات القبول في الفردوس الأعلى.

رحل الشهيد المبتسم في تفاصيل حياته جميعًا، تاركًا لكل من عرفه مهمة استعادة تفاصيله الكثيرة التي تركها، يقول والده: "كل من عرف حسين أحبه، لو ترى الجموع الغفيرة التي شاركت في جنازته، أو تلك التي قصدت بيت عزائه من كل أنحاء غزة، مشيدة برجولة حسين وبسالته في المقاومة".

وتكشف للوالد في أثناء استقباله المهنئين بشهادة حسين أن نجله كان يتفنن في مساعدة الناس وتخفيف قسوة الأوضاع المعيشية عنهم، ففي شهر رمضان يصل الليل بالنهار لتقديم المساعدات للمحتاجين، وفي أثناء عمله على سيارة الأجرة كان يخصص بضع ساعات لنقل الركاب إلى مقاصدهم بالمجان.

وعُرف عن "صاحب الابتسامة" عدم تأخره عن الصفوف الأمامية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، يضيف الوالد: "سخر حسين حياته لفلسطين ولمقاومتها دون تمييز بين أي فصيل، وكتبت له الحياة عدد مرات، عندما كان ينجو من الموت المحقق، في أثناء مشاركته في التصدي للحروب الإسرائيلية الثلاثة".

وأدار والده في ختام لقاء صحيفة "فلسطين" معه شريط ذكرياته حيث طفولة حسين وحبه لفلسطين منذ صغره، فلا تكاد تجد له صورة إلا وهو مبتسم رافع هامته، أو رافع إشارة النصر، أو يقف شامخًا بين المساحات الخضراء حيث كان يحب أن يقضي أوقاته.

اليوم يجلس الحاج غازي في فناء منزله مع كل إشراق شمس ومن حوله يلهو أحفاده ويغنون بصوت واحد: "عم حسين شهيد، عم حسين في الجنة"، ومن بينهم ثلاثة أحفاد حملوا اسم عمهم بعد رحيله.