​حثالة" ترامب

خليل العناني
السبت ٢٠ ٠١ / ٢٠١٨

لا يتوقف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن "إطلاق النار على قدميه"، كما يقول المثل الأميركي المعروف، وذلك إما من خلال تصريحاته التي يخرج فيها كثيرًا عن النص، ولا يلتزم فيها بأي حنكةٍ سياسيةٍ أو لياقة بروتوكولية، أو من خلال رسائله القصيرة على "تويتر"، والتي تجعله دومًا في عين عاصفة الإعلام المحلي والدولي الذي لا يترك له شاردةً ولا واردةً، إلا ويعلق عليها.

تحدّث ترامب، قبل أيام، بلغةٍ عنصريةٍ تخلو ليس فقط من الذكاء السياسي، وإنما أيضا من الاحترام للشعوب والدول الأخرى، حين نعت المهاجرين الذين يأتون إلى الولايات المتحدة من دول أفريقيا والكاريبي بأنهم قادمون من دول "حثالة"، وهو ما يجب أن يتوقف. جاءت تعليقات ترامب في لقاء جمعه مع نواب من الكونغرس الأميركي، من أجل الوصول إلى اتفاق حول مسألة الهجرة في أميركا، خصوصا فيما يتعلق بمصير حوالي ربع مليون مهاجر غير شرعي، يريدون توفيق أوضاعهم، ويرفض ترامب منحهم ذلك، من دون مساومة نواب الكونغرس على تمويل السور الذي يريد بناءه على الحدود مع المكسيك، ويكلف مليارات الدولارات.

أثارت تصريحات ترامب، ولا تزال، ضجة كبيرة في الإعلام الأميركي، وهو ما دفع مسؤولين أميركيين للاستقالة، احتجاجًا على تعليقات ترامب التي وصفوها بالعنصرية وغير المقبولة، كما حدث مع سفراء تركوا مناصبهم، لشعورهم بالخجل من تعليقات السيد الرئيس. كما احتج بعض نواب الكونغرس، سواء في مجلس الشيوخ أو النواب، ضد ترامب، واعتبروا تصريحاته بشأن أفريقيا غير مقبولة، ولا يمكن مهادنتها، لأنها تعكس عقلية عنصرية محضة، خصوصا النواب الذين حضروا الاجتماع مع ترامب، وسمعوه بأنفسهم.

ليست رؤية ترامب وموقفه من المهاجرين، خصوصا من البلدان الفقيرة، سواء في أفريقيا أو الكاريبي أو آسيا، استثناء، فهناك آخرون يشاركونه الرؤية نفسها داخل المجتمع الأميركي. بل هناك منظمات وناشطون يحملون رؤية أكثر عنصرية تجاه الآخر أكثر من ترامب. لذا، عندما يتحدث الأخير بهذه اللغة المخجلة، فإنه يعبر عن تيارٍ ينمو ويتزايد في المجتمع الأميركي، يكن كل كراهية واحتقار ورفض لكل من هو مختلف عنهم، سواء في اللون أو الدين أو العرق. وهو التيار نفسه الذي ساهم في نجاح ترامب ووصوله إلى السلطة.

مشكلة ترامب أنه الرئيس، ويجب أن تكون لديه من الحصافة والذكاء واللياقة، ما يجعله يتحكم في مواقفه وألفاظه تجاه من يكرههم ويحتقرهم. فهو ليس شخصًا عاديًّا، وإنما رئيس أكبر وأهم دولة بمعايير كثيرة. وعندما يتحدث بهذه الطريقة فهو يمثل من انتخبوه، ومن يحكمهم في الوقت نفسه.

وقد اتضحت عنصرية ترامب بشكل فج، عندما طالب بأن يكون المهاجرون من النرويج ذوي البشرة البيضاء والدخول العالية، وليس من أفريقيا الفقيرة والسوداء، وهو ما دفع نرويجيين كثيرين إلى التضامن مع الأفارقة، والتهكم على ترامب الذي يريد اختيار مهاجرين يشبهونه شكلًا ولونًا وثقافة. وهو هنا يضرب فكرة التنوع التي قامت عليها أميركا في مقتل، ويضع حدًا لثقافة التعدّدية الثقافية والدينية والعرقية التي اتسم بها المجتمع الأميركي منذ قيامه، وهو يفعل ذلك عمدًا وليس اعتباطًا. فهو لا يريد أن يحدث تغيير في التركيبة الديموغرافية لأميركا، بحيث يصبح البيض أقلية مقابل بقية الأجناس. وهو ما يفسر، إلى حد بعيد، أجندته الإقصائية التي يتبعها في مجال الهجرة، والتي سوف تنهي، إذا ما تم تبنيها، الحلم الأميركي الذي يمثل أهم عناصر القوة الناعمة لأميركا.