​(هولوكوست) إيذانٌ بالظلم وجوازٌ بالقتل

د. مصطفى اللداوي
الأربعاء ٠٩ ٠٥ / ٢٠١٨

يريد الإسرائيليون من العالم أجمع: دول وحكوماتٍ، وأفراد وجماعاتٍ، وأحزاب وتنظيماتٍ، وقادة ومسؤولين، وكتاب وفنانين، وإعلاميين وقانونيين، وغيرهم من كل الفئات البشرية على مدى العالم كله والتاريخ بأكمله أن يعترفوا بجريمة الأفران النازية والمحرقة اليهودية (هولوكوست)، وأن يقروا بها زمانًا ومكانًا، وألا يشككوا فيها أو يستخفوا جرمها، وألا ينكروا وقوعها أو يكذبوا وقائعها، أو ينفوا حقائقها ويشككوا في أعداد ضحاياها، أو يستهينوا بمعاناة من قضوا فيها أو من نجوا منها، وإن يفعلوا ذلك فإنهم سيتهمون بمعاداة السامية، وظلم أتباع الديانة اليهودية، والمشاركة في الجريمة الدولية، وبذا يستحقون الطرد واللعن، والسب والشتم، والحساب والعقاب، إلا أن يظهروا ندمهم، ويعلنوا توبتهم، ويتراجعوا عن خطئهم.


يطالب الإسرائيليون شعوب العالم كلها أن تقف احترامًا وإجلالًا لضحايا المحرقة، وأن تبدي أسفها على ما لحق بالجاليات اليهودية في أوروبا الشرقية، وما أصابهم من أذى وحل بهم من بلاء، وكأنهم يبرؤون أنفسهم من الأخطاء التي وقعوا فيها، والفتن التي أشعلوها، والمفاسد التي خاضوا فيها، ويحملون شعوب العالم كلها مسؤولية ما حدث لهم، والمحنة التي نزلت بهم، وكأنهم شركاء للنازيين في هذه الجريمة، يتحملون معهم المسؤولية، لذا إن عليهم التكفير عن جريمتهم، والأسف على فعلتهم، وإبداء الندم على ما ارتكبوا في حقهم، وتعويضهم عما خسروا وفقدوا، وتقديم العون لهم تكفيرًا، ومساعدتهم اعترافًا بالمسؤولية وتعويضًا عن المصيبة.


نحن لا نقبل الظلم أبدًا ولا ندعو له، ولا نشجع عليه ولا نسكت عنه، ولا ننكر محنة اليهود في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، ولا ندافع عمن ارتكبها، ولا نشمت في ضحاياها، ولا نقول عنها إنها كذبة وفرية، وإنها مبالغة وتهويل، فهي تمثل لنا جريمة، أيًّا كان حجمها، وأيًّا كانوا ضحاياها، فهم في حينها لم يكونوا أعداءً لنا، ولم يستوطنوا أرضنا، ولم يطردوا شعبنا، ولم يعتدوا على أهلنا، لذا إننا لا ننكر محنتهم، ولا نقبل ظلمهم، ولا نمنعهم من الشكوى وإظهار الحزن والألم، ولا نطالبهم بالغفران والنسيان، والمسامحة والمصالحة، ولا نقول لهم: سحقًا لكم ولا أسى على قتلاكم، وتستحقون ما حل بكم ونزل فيكم.


لكننا في الوقت نفسه لا نقبل أن تكون هذه المحرقة سيفًا مسلطًا على كل الرقاب، وعصا ثقيلة يلوحون بها في وجه كل من يرتفع صوته معاديًا لسياستهم، أو معترضًا على ممارساتهم، أو رافضًا لسلوكياتهم، وداعيًا إياهم للكف عن الظلم، والتراجع عن ممارسة الجريمة وحماية مرتكبيها، فقد استغلوا تعاطف الكثير من دول العالم معهم في إسكات أصواتٍ دولية معارضة لهم، وساهموا في محاكمتهم أو تسببوا في تجريدهم من حقوقهم وممتلكاتهم، وحرموهم التمتع بحقوقهم والقيام بواجباتهم، وأجبروا الكثير منهم على حرق كتبهم والبراءة مما كتب فيها، والتراجع عن الكثير مما ورد فيها، إرضاءً لهم وخوفًا منهم.


لكن الكيان الصهيوني الذي يدعي المظلومية، ويشكو مرارة المحنة يمارس الظلم نفسه على الشعب الفلسطيني خاصةً، وعلى شعوب الأمة العربية عامةً، فيعتدي عليهم ويستولي على أرضهم، ويصادر حقوقهم ويقتل أبناءهم، ويشرد أهلهم ويسلبهم ممتلكاتهم، ويزج بالآلاف منهم في سجونه ومعتقلاته، يسومهم فيها سوء العذاب، ويجرعهم في غياهبها الموت ألوانًا، ويذيقهم الأسى فيها أصنافًا، ويعذب معهم أهلهم وأسرهم، ويضطهد أبناءهم وعائلاتهم، ويفرض عليهم عقوبات تضنيهم وإجراءاتٍ تزيد في معاناتهم، ويورثهم آلامًا تحملها أجيالهم وتعاني منها ذرياتهم، ويرفض أي صوتٍ ينتصر لهم أو يثور من أجلهم، أو يعلو للدفاع عنهم، رغم عدالة قضيتهم وجلاء حقهم.


ألا يشبه ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي وحكومات كيانه المتعاقبة في حق الشعب الفلسطيني ما فعلته النازية بحقهم، وما ارتكبته دول المحور في مجتمعاتهم؟ فهم يحاصرون شعبنا ويضيقون عليه سبل الحياة، ويحرموننا أبسط سبل العيش الكريم والحياة الإنسانية البسيطة، إنهم يحرقون بيوتنا، ويسكبون المواد الحارقة في أفواه أبنائنا، ويشعلون النار في أجسادهم الغضة، ويلقون قنابلهم الحارقة على البيوت الآمنة لتقتل الأطفال والآباء والأمهات، وتمنع أحدًا من مساعدتهم، في الوقت الذي تمنع فيه محاكمة المستوطنين المجرمين، وتحول دون إدانتهم أو معاقبتهم، وترفض محاسبتهم أو المساس بهم.


يبدو أن الكيان الصهيوني يريد أن ينتقم من العرب عمومًا ومن الفلسطينيين خصوصًا على جريمة (هولوكوست)، وكأنهم من حرضوا عليها أو قاموا بها، ويريد من دول العالم أن تقف معه وتؤيده في حربه عليهم، وانتقامه منهم، ويرى أفعاله الشائنة بحقهم عدلًا وإنصافًا، وقضاءً وقصاصًا، إذ يحق لـ"شعبهم المظلوم" أن يثأر وينتقم، وأن يهنأ في الأرض ويستقر، وألا يتزعزع أمنه أو يمس بسوءٍ كيانه، الذي لا يقبل من دول أوروبا خاصةً أن تعترض عليه أو أن تدين سلوكه، وعلى هذه الدول أن تسلم للكيان الصهيوني بما يقوم به، اعترافًا منها بالخطأ، وإقرارًا منها بالمسؤولية، ورغبًا منها في التكفير والتعويض وإبداء الندم، ويطلبون من العرب والفلسطينيين أن يتفهموا مظلوميتهم، وألا ينكروا محرقتهم، وألا يهزؤوا بمعاناتهم، ويعلنون أن هذه هي شروط البراءة وقبولهم شركاءً، والجلوس معهم للتفاوض، والاعتراف بهم قادةً.

مواضيع متعلقة: