أسرة ومجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٦‏/٦‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


​رمضان في السويد.. النكهة عربية

تعيش مملكة السويد _وهي إحدى الدول الإسكندنافية الواقعة شمال القارة الأوروبية_ حالة جدل بسبب عدد ساعات الصيام الطويلة، ففي شمال المملكة لا تكاد تغيب الشمس دقائق معدودة قبل أن تعاود الظهور من جديد، وهذا يعني أن أهل تلك المناطق عليهم الصيام 24 ساعة إلا بضع دقائق (من شروق الشمس حتى غروبها) حسب الأصول.

عن هذه الجدلية وأجواء الصيام في السويد يحدثنا محمود عوض، وهو شاب فلسطيني لجأ إلى السويد قبل عدة سنوات، وكون أسرته الخاصة هناك، على أمل أن يحظى بوظيفة ومكانة وبيت لم يكن ليحظى به في إحدى الدول العربية التي ترعرع فيها، قبل أن تمضي سنوات طويلة من عمره.

22 ساعة صيام

عن رمضانه في السويد يقول: "نصوم عدد ساعات طويلة جدًّا (18-22) ساعة، فلا يبقى أمام الصائمين وقت للراحة بين وجبتي الفطور والسحور، وتختلف عدد ساعات الصيام ما بين الجنوب والشمال، فتزداد ساعات الصيام كلما اتجهنا شمالًا حتى منطقة (ياليفاره) التي تقع شمال السويد داخل الدائرة القطبية الشمالية".

ويتابع: "في هذا الوقت القصير بين الإفطار والسحور لا نكاد نستطيع أن نهتم بأنفسنا ونأكل ما يقيتنا ويعيننا على الصيام للساعات القادمة"، مشيرًا إلى أن المسلمين لا يعملون في شهر رمضان، وإن عملوا فبعدد ساعات مقلص جدًّا، لأنهم يكونوا منهكين جدًّا.

ولحل هذه الجدلية أصدر المجلس الأوروبي للفتاوى والبحوث قبل ثلاث سنوات إرشادات جديدة قبيل شهر رمضان الحالي، حث خلالها المسلمين على الالتزام بمواعيد غروب الشمس في العاصمة (إستوكهولم) أو (مالمو) في أقصى الجنوب، حسب القرب الجغرافي للمدينتين.

ويشير عوض إلى أن السويد فيها العديد من المساجد للمسلمين، فالقانون السويدي يجيز بناءها، وأكبر هذه المساجد وأشهرها مسجد "إستوكهولم الكبير" الذي بناه الرئيس الراحل الشيخ زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة السابق.

ويقول: "نمارس طقوس عباداتنا بكل حرية، نؤدي الصلوات، وخاصة صلاة التراويح، التي يتبعها في بعض الأحيان درس ديني قصير نظرًا لضيق الوقت، ثم نعود إلى منازلنا مسرعين حتى نعد طعام السحور ونجهز أنفسنا لموجة صيام طويلة متجددة".

وعن الزيارات الرمضانية يقول: "لا وقت لدينا لهذه الزيارات، وهنا وفي المجتمعات الغربية عمومًا الوضع مختلف عن وطننا العربي الذي تربط الجيران فيه علاقات، أما هنا فكل شخص مع نفسه ولا يلتفت إلى الآخرين".

ويتابع: "صحيح لنا علاقاتنا مع العرب والفلسطينيين خاصة، ونتزاور في الأيام العادية، لكن في شهر رمضان فلا يكاد يرى بعضنا بعضًا في وقت الإفطار، وأغلب مقابلاتنا تكون بالنهار، هذا إن حصل والتقينا".

المهاجر العربي

عن الإفطارات الجماعية يقول: "يوجد في السويد العديد من الجمعيات والمراكز الإسلامية التي تنشط في شهر رمضان، وتحاول تعريف المجتمع السويدي بالدين الإسلامي، وتقيم إفطارات جماعية في بعض المساجد، لاسيما الكبرى منها".

ويقول عن زينة رمضان: "تلك الزينة موجودة في البلدان العربية، أما هنا فلا تجد سوى زينة (الكريسماس)، التي قد يستخدمها بعض داخل منازلهم حتى يشعروا أبناءهم بحلول شهر رمضان، وهذا في العائلات التي لديها أطفالها سيبدؤون الصيام".

وعن الوجود العربي في السويد يقول: "إن المطاعم العربية منتشرة بكثرة، وكذلك الجزارون الذين يذبحون على الطريقة الإسلامية، وهناك (مولات) عربية إسلامية، وأخرى غير عربية، ولكنها تحتوي على أقسام عربية، تعرض فيها جميع ما تشتهي نفس المهاجر العربي".

وأضاف: "نحن _العرب_ كعادتنا ننشط في آخر ساعتين قبل الإفطار، نذهب إلى الأسواق لشراء حاجياتنا، حتى نبدأ في إعداد سفرة رمضان التي نحاول أن نقدم عليها كل ما نتذكره من أطعمة والدتي التي ورثتها عن جدتي، فأنا إن كنت فلسطيني الجنسية فإنني ولدت وترعرعت في الغربة، ولا أعرف كيف يكون طعم رمضان في الوطن، لكنني أحاول أن أنقل هذا الوطن إلى بيتي الصغير".


​مقيم في المجر منذ عامين .. "جلسات العرب" سرّ بهجته

يجد الفلسطيني محمود رزق في جلسات السمر، التي يقضيها مع زملائه العرب المغتربين بـ"المجر" خلال ليالي شهر رمضان بعد تناول طعام الإفطار؛ تعويضًا جزئيًّا عن الطقوس الرمضانية الغائبة المرتبطة بالوطن الأم وأهالي مدينته الساحلية غزة.

ومع التزام العائلات العربية والإسلامية المقيمة في العاصمة المجرية (بودابست) بتجميل منازلهم بزينة الشهر الكريم من فوانيس وأحبال ضوئية متغيرة الألوان؛ يسيطر على رزق الحنين الدائم إلى قضاء رمضان بين الأهل منذ قدومه إلى أوروبا عام 2015م، لاستكمال دراسته في جامعة (Szent istven).

ويبدأ اليوم الرمضاني لدى رزق (19 عامًا) بتناول طعام السحور ثم الذهاب إلى مصلى السكن الطلابي لأداء صلاة الفجر وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، قبل العودة ثانيًا إلى المسكن استعدادًا للذهاب إلى الدراسة، إلى أن يقترب موعد رفع أذان المغرب، فيجتمع الصحب لطهي الطعام.

مائدة واحدة

وبعالم الطبخ استفتحنا حديثنا مع رزق ليخبرنا عن تفاصيل تلك الساعة الشاقة على الشباب في أغلب الأحيان، قائلًا: "الغربة تدفعك إلى تعلم كل شيء كي تسير حياتك اليومية على ما يرام، أما في رمضان فنتعاون مع أصدقائنا العرب على إعداد طعام الإفطار، وفقًا لعادات وتقاليد كل بلد وخبرة كل فرد أيضًا".

ذلك التعاون يمنح رزق شعورًا بالسعادة، فهو يكسبه مهارات جديدة في الطبخ، ويعرفه إلى ثقافات جديدة لم يعهدها من قبل، وعلى ذلك يعلق: "هي أجواء يسودها التعاون والمحبة؛ فالعراقي يبدع في إعداد الدليمية، والسوري بالسلطات والمقبلات، والجزائري والمغربي يتفننان بـ"الحريرة"، والفلسطيني بالمقلوبة".

ويضيف رزق لـ"فلسطين": "عند الانتهاء من تناول طعام الإفطار نتجهز لأداء صلاة التراويح، ثم الجلوس جماعة كي يتحدث كل شاب عن مجريات يومه الرمضاني، ويستذكر مواقف وذكريات جميلة مرتبطة بالوطن قبل أن يغترب عنه لظروف حياتية مختلفة"، مبينًا أن عدد ساعات الصيام قد تصل إلى نحو 19 ساعة.
ولا تخلو جلسات الشبان من الحديث عن الأوضاع الحياتية والميدانية التي تخيم على بلادهم، فإن تحدث الفلسطيني عن الحصار الإسرائيلي وكيف صمدت غزة في وجه ثلاث حروب مدمرة؛ قاطع حديثه صديقه السوري معبرًا عن الآلام التي أصابت بلاده، وكذلك شكى العراقي من ضياع بلاده عقب الغزو الأمريكي.

ونعود في الحديث إلى ظروف استقبال شهر رمضان، واللحظات الأولى لإعلان ثبوت رؤية الهلال، إذ يلتزم مسلمو المجر بالتصريحات التي تصدر من المجمع الإسلامي في العاصمة المجرية، التي يوجد فيها خمسة مساجد.

ويزيد رزق: "تعلق الزينة في البيوت العربية والإسلامية في بودابست وجميع أنحاء المجر والسكنات الطلابية وأماكن اللاجئين، ويبقى الجميع يترقب قدوم شهر رمضان بشوق وحنين كبيرين، فمنذ الساعات الأولى لثبوت الهلال ترى الفرحة والبهجة على جميع الوجوه".

مميزات رمضان

وتستغل بعض المحال التجارية في العاصمة المجرية صيام المسلمين لعرض مستلزمات الشهر من مشروبات خفيفة ومتطلبات وجبات الإفطار بجانب صنوف متعددة من التمور، وكل ذلك يسهل على رزق ورفاقه شؤون حياتهم في الغربة، وتحديدًا خلال نهار شهر الصيام.

"لشهر الخير مميزات جميلة مع مرارة البعد عن الأهل والوطن" هذا ما يقوله رزق عن مميزات رمضان في الغربة، مضيفًا: "بداية نتعرف هنا إلى أصدقاء جدد من بلدان عربية وأوروبية وآسيوية متعددة، ثانيًا تبدأ مرحلة حياتية جديدة عمادها الاعتماد على النفس".

وتترجم خلال أيام الشهر الفضيل عبارات التكافل والمودة التي يدعو لها الدين الإسلامي، دون تفريق بين أبيض وأسود أو عربي وأعجمي، فتتلاشى كل الفوارق ويجلس الجميع جنبًا إلى جنب، على موائد الإفطار والفعاليات الرمضانية المتعددة.

وتلتزم المساجد في المجر بإقامة فعاليات رمضانية طوال أيام شهر الصيام، كموائد الإفطار الجماعية، وحلقات العلم، وأنشطة ثقافية ترفيهية للصائمين، ويقدر عدد المسلمين المقيمين في الدولة الأوروبية بنحو خمسين ألفًا فقط، يتركزون في العاصمة بودابست، ويتوزع الباقي على مدن أخرى، مثل: بيتش وسجد ومشكولتش ودبرتسن وسالقوتتاريان.

وتعد هيئة مسلمي المجر التي أسست عام 2000م وحصلت عام 2012م على اعتراف الدولة بها أبرز المنظمات المسلمة العاملة بالمجر، وهي تتولى تنظيم أوضاع المسلمين، وإقامة الشعائر، والتدريس، وترجمة الكتب الإسلامية وطباعتها، وتنظيم مخيمات وندوات ومعارض للتعريف بالإسلام.


١٢:١٧ م
٢٢‏/٦‏/٢٠١٧

​هذه "عِيديتي" لكَ يا شادي

​هذه "عِيديتي" لكَ يا شادي

إلى طفلي الحبيب الذي كبر قبل أوانه:

أتعرف أن رسالتك التي أرسلتها لي من داخل السجن لتهنئني فيها بذكرى ميلادي الأربعين تكاد تَبلى، في كل يومٍ تعانقها يدي، أحدَّق بخطك "المُخربش" المكتوب بقلمٍ رصاص، وأحفظ تعرَّجاته الحنونة عن ظهر حب.

ماذا أفعل يا شادي؟!، حروفك هي من تخفف ثقل صخرة الحكم الصادر ضدك، الذي سرق وسينهش من عمرك ثلاثة أعوام.

لا أبالغ إن قلت إنها أجمل هدية وصلت إلي في حياتي، كلماتك الطفولية البريئة أحتضنها وكأنها عهد مقدس، وكيف لا أصونها وأنت تقول في مطلعها: "كل عام وأنتِ بخير، أقولها هذه المرة وأنا بعيدٌ عنكِ"، ثم تختمها بتأكيد حبك المؤكد: "أحبكِ يا أمي"؟!

وما بين السطور توصيني كشيخ هرم أن "ابقي رافعة الرأس مثل شجرة النخيل، لا يهزها ريح ولا زلزال ... ولا تحزني لأن هذا اختبار من عند الله".

منذ غيابك يا بني أنا منشغلة بتقليب التقويم، وتساورني الرغبة دائمًا في نزع أيام إضافية، علها تقرب موعد عودتك إلى حضني، كلما تذكرت اعتذارك لي: "آسف لأني جعلتك تأكلين دون نِفس"؛ قلت: "بل اعذرني أنت _"يا كبدي"_ على قلة حيلتي".

أول مرةٍ سأبوح لك بهذا: في ليلة 29 كانون الأول (ديسمبر) عام 2015م لم تدعني الكوابيس ألتقط أنفاسي، كنت ما بين غفوة وأختها أستيقظ وعرقي يتصبب، وقلبي يرتعش، فأذكر الله وأستغفره ثم أرمي برأسي على الوسادة.

عندما أشرق الصباح سارعت إلى طبع قبلة على جبينك، قبل إيقاظك لتجهز نفسك لامتحانات الصف السابع، فنهضت _يا شادي_ بكامل حيويتك المعهودة، أما قلبي فكان ينبض بقوة غريبة، تناسيت الأمر وأخذت أشغل نفسي بتحضير حقيبتك المدرسية، ثم طلبتَ مساعدتي بشدّ رباط حذائك، وخرجتَ بعدها إلى المدرسة.

بعد الظهيرة لاحظنا تأخرك، حاولنا الاتصال بك دون جدوى، حتى حلَّ الليل ومعه الخبر: "قوات الاحتلال تعتقل الطفلين شادي فراح وأحمد الزعتري بتهمة محاولتهما تنفيذ عميلة طعن في مدينة القدس المحتلة"، كأن خنجرًا غرسوه في قلبي، ألوان من الأسئلة اجتاحتني، كيف ومتى ولماذا؟

أأضحك أم أبكي؟!، شادي الذي لا يقوى على ربط حذائه بنفسه يريد أن يطعن؟!، فلذة كبدي الذي كان يتسلل خفية إلى "الثلاجة" كي يحضر بعض اللحم للقطط الضالة عطفًا عليها مُتهم بالتخطيط لعملية؟!، صغيري الذي ما تردد يومًا في مداوة الحيوانات المجروحة، كيف تجبرت "دولة احتلال" بأكملها على طفل ما برح يطلب في كل زيارة له: "ماما، جبيلي معك شوكولاتة المرة الجاي"؟!

وبعد مرحلة القهر الممنهج في مسالخ التحقيق بُحَّ صوتك، وكبرتَ خلال عشرة شهور حتى نسيت أنك طفل في الثانية عشرة، أما أنا فلم أستطع إلا التبسم في وجهك الملائكي واستلهام الصبر من براءة تقافزت من عينيك الجميلتين، كنتَ بصمتٍ تحكي عن ظلم سجان كبرت سريعًا بسببه، لا أنسى حرقة قبلاتي على جبينك في تلك الزيارة، يا شادي.

وفي قاعة المحكمة حيث الجنود المدججون بالأسلحة، والأصفاد تكبل قدميك ويديك أخذتَ تمصّ أصبعك، كانت المرة العشرين التي تعقد فيها الجلسة للنظر في حكمك، مع أن قضاتهم الثلاثة قد اتفقوا على حكمك قبل أول جلسة، تمنيتُ لو أن أحدهم يوقظني من ذلك الكابوس، ولكن "جفَّت الصحف"، وانقلبت حياتنا رأسًا على عقب.

أمك التي تحبك كثيرًا _وأنت لا تعرف ما تعريف "الكثير" عندها_ ليتها تستطيع هدم جدران السجن أو صهر الباب الحديدي، كي تخلصك من حقدهم، حتى لو كان الثمن روحها.

أعلم أن ذاكرتك أمست مثقلة بأحداث سوداء، منذ أن أجبروك على التعري داخل زنزانة شديدة البرودة، مرورًا بوضعك في غرفة ليلها ونهارها سواء، وليس انتهاء بحرمان نفسك بنفسك النوم خشية أن يعتدي عليك أحد الجنائيين الذين تعيش في وسطهم.

اغفر لي _يا صغيري_ عندما تجد صمتي جوابًا عن أسئلتك في كل زيارة: "لماذا تتركوني هنا؟!، خذيني معك يا أمي"، عندما تجد "حسبنا الله ونعم الوكيل" جوابًا وأنت تكشف عن آثار الصعق الكهربائي في جسدك الهزيل، سامحني عندما تشعر أن أصابعي تكاد تخترق لحمك وأنا أتفحص كل خلية فيك قبل الفراق.

تدمع ابتسامتي حين أتذكر ما كنتَ تحكيه لرفيق محنتك "أحمد" عن مغامراتك عندما تهرب من الباب الخلفي للمنزل، خشية أن يراك والدك فيمنعك من مشاركة "المسحراتي" في إيقاظ سكان الحي (كفر عقب) في ليالي رمضان.

القدس تشتاق إليك يا بني، وباحات الأقصى تنتظر شابًّا جديدًا مثلك يتعلق قلبه بها، أعرف أنك في كل ليلة تغلق عينيك وتتجه بهما إلى الأعلى، وتحلم بأن يخطفك شعاع الحرية من أنيابهم، فتفاجئني بعودتك مثلما كنت تسعدني بإطلالتك صبيحة كل عيد.

آه ما أصعبها _يا شادي_ تلك الساعة التي أخرج فيها إلى السوق لأشتري ملابس العيد لأشقائك (ميس ومروان وريان)، ريان أخيك الحبيب الذي صار ينام في فراشك، ما أقسى سؤال ذلك البائع: "لماذا لا تأتي بصغيرك الرابع كي يشتري ما يناسبه بنفسه؟"!

هذه المرة اشتريتُ ملابسك من إيطاليا من جنيف، لقد سافرت إلى أقاصي البلاد من أجل إيصال قضيتك "أصغر أسير في العالم"، لقد تغيرت شخصيتي بفضلك، صارت أمك ناشطة في حقوق الإنسان، وطموحها ينصب على دراسة القانون الدولي سعيًا لنيل حريتك.

أنا واثقة بأن كلماتي هذه ستصل إليك بشكلٍ ما، كنت أتمنى أن أعايدك بشكلٍ أجمل، وأن أعطيك أول "حبة شوكولاتة" قبل صلاة العيد، "كل عام وأنت بخير يا بني"، هذه الكلمات الخمس كلُّ حرفٍ منها يُقبلَّك ويُوصيك بأن تكون صبورًا متبسمًا، وأنت تقف أمام المرآة محاولًا اقتلاع سيئاتك، والعثور على إيجابياتك، أوليس شادي الصغير هو من قال هذا؟!

وإني أترقب العيد الحقيقي بالساعة والدقيقة والثانية يوم أن تفتح باب البيت وتنادي: "وينك يا إمي؟، أنا جِيت يا غالية".


١٢:٠٣ م
٢١‏/٦‏/٢٠١٧

​وصرختُ بأعلى صوت: "ماما عايشة"

​وصرختُ بأعلى صوت: "ماما عايشة"

ليت الحرب كانت دون راء وليت نار البعد لها انطفاء، إنها الحرب إذن لم تُبق ولم تذر، فكيف إذا ما اختطفت نور العين وضحكة الشمس وعنفوان الزهر أمي؟! أتساءل: كيف لا يغار التوليب والنسرين والحنون من أمي، من حُسنِها، وبهائها، من وجهٍ كفلق الإصباح كان في دجى الفجرِ يطل علينا؟!

أماه، هل سمع الجندي الذي قتلك بقذيفته أصوات صراخي وأنا أعبر عن صدمتي بالفاجعة حين رحت أقول: "كلكم كذابين ماما وإخوتي عايشين"؟!، خمسُ استهدافاتٍ مباشرة قصدت بيت خالي الذي يؤوينا، تنوَّعت بين صواريخ حربية وقذائف دبابة، كادت تُودي بحياة 23 شخصًا يتحامون من غدر المحتل داخل الجدران، من بينهم أنا صباح وإخوتي عبد المنعم، وعز الدين، وبراء، وآلاء، ورغد وحليمة، وأنتِ يا أمي معنا.

مر أسبوع واحد من شهر رمضان ونحن ماكثون في بيتنا بمعسكر جباليا، أستذكر فيه كيف كان يصدح صوتك البُلبلي بقراءة القرآن فيهز نسمات الفجر من جماله، وكيف كنتِ تقدسين وجبة السحور فتحضرين سفرةً متكاملة متنوعة وتوقظيننا واحدًا تلو الآخر، كان ذلك قبل أن نقرر الحضور إلى بيت خالي في "جباليا البلد" الذي وقعت فيه الحادثة.

عشنا في هذا البيت أجواءً إيمانية وأُسرية ممتعة، مع اجتماع الأحبة من الأقارب، نقضي النهار بالتنافس في قراءة آيات من الذكر الحكيم، وعند العصر نتعاون على إعداد الفطور يدًا بيد، ويذهب الرجال مساءً إلى صلاة التراويح في المسجد العمري الذي يقابل البيت تمامًا، وتصلي النسوة في البيت جماعةً يخلفها الصغار من الفتيات في مشاهد رمضانية خلابة.

انقضى الشهر الكريم بمتعته دون أن تحده سكين الحرب بعد، إلا أن عيدية المحتل كانت لنا فوق التوقعات؛ ففي مساء الثاني من شوال عام 2014م أخذت نيران القذائف الهوجاء تتجه بعشوائية نحو المسجد العمري وفي الشوارع والأرصفة، وعلى أسقف البيوت والجدران، ولم يسلم شيءٌ من نارها، فكلٌّ طالته صواريخ الطائرات.

استهدفت "قذيفةٌ" سور منزل بيت خالي، فظننا أنه صاروخ تحذيري وسيخلفه صاروخ (إف 16)، لذلك قررنا مغادرة المنزل، وأصبحنا ننزل على الدرج فرادى واحدًا واحدًا حتى لا تباغتنا قذيفة مباشرة، ثم تجمعنا عند مدخل البيت، وكان الخيار أن نخرج مجموعات كي لا نموت جميعًا، فخرجت أول مجموعة ووصلت بسلام، ثم كان دور المجموعة التي تضمك يا أمي وبراء وحليمة واثنتين من زوجات أخوالي وابنة إحداهن، وبمجرد خروجكم من بوابة المنزل انهالت عليكم قذيفة مباشرة أودت بحياتكم جميعًا وتركتنا مكلومين.

وصلت إلينا سيارات الإسعاف ونحن جرحى وخالي ينادي: "اللي عايش يسمعني صوته"، والركام والأنقاض تعلونا والغبار يتغلغل بدواخلنا.

لم أعلم كم مر من الوقت وأنا أجلس في ردهات مستشفى كمال عدوان أضمد جرحي، وإخوتي في "غرف الغيار"، عندما جاء الطبيب ليعطينا الخبر الأسود: "عظم الله أجركم في نهاد حمودة".

كنت إلى جانب زوجة خالي أم خليل، ولم أشعر هل الدنيا فوقي أم أسفل مني، وأخذ صراخي يضج في أركان المستشفى في كل حدبٍ وصوب، وهي تحتضنني، وأنا أقول: "كذابين كلكم كذابين، ماما عايشة"، ترى هل كان يمكن لصراخي أن يصمت صوت القذائف؟!

طفلة لم تتجاوز الحادية عشرة من عمري كنتُ حينها، فهل تتوقعوا أن قيامي بدور الأم سيكون سهلًا؟، وما الذي ينتظرونه من فتاةٍ فقدت أمها وطفولتها في الوقت نفسه؟!، لن أقلقك علينا يا أمي؛ فقد تحملت المسؤولية كاملة، ولم أدع بابا وإخوتي يشعرون بغيابك قط، أصبحت لهم أختًا وصديقةً وأمًّا حنونًا.

لم يكن الأمر هينًا، وأسندت رأسي على كتف زوجة خالي أم خليل التي لم تتركني البتة، وبعد شهرين اثنين فتحت المدارس أبوابها من جديد، وكما تعلمين كنت مقبلة على الأول الإعدادي ومرحلة دراسية جديدة وأجواء مختلفة وزيّ "كُحلي" اللون، فذهبت بصحبة زوجة خالي لاشتراء الزيّ ومستلزمات الدراسة، وكنتُ أرتديه في غرفةِ القياس عندما هللتِ عليّ بوجهك النوراني، والله لقد رأيتك تضحكين بمبسمٍ مشرق، وأخبرتها ففرحت بي مع حزنها العميق، ولمّا ذهبنا إلى خالي ارتديته وأخذتُ أتمخطر به أمامه وهو غارقٌ في الدموع؛ فما كان منّي إلا تصبيره والتهوين عليه.

أتذكرين كيف كنّا صديقتين مقربتين؟، حتى إن زميلاتي في المدرسة يستغربن إذا ما أخبرتهن بالأمور التي أطلعتكِ عليها؛ فقد كنتِ صندوق أسراري، وكنتُ لكِ القلب الصغير الواسع الذي يسمع شكواكِ دون أن ينبس بِبنت شفة، فأنا تربية يديكِ وأنتِ الأم المتعلمة والعاملة؛ فكنتِ تعملين في معهد حمود الشرعي معلمة، وأنتِ خريجة كلية أصول الدين وطالبة الماجستير في الجامعة الإسلامية، ومع كل انشغالاتك كُنا نحن وبابا أساس حياتك، وكلٌّ يُشهد الله على طيبك وحُسن خلقك النديّ.

أتذكرين كيف كنُا نعد الفطائر معًا في شهرِ الصيام ووجبة المحشو اللذيذة التي تشتهيها الروح من يديكِ؟، ولم تخل آخرِ أيام رمضان من إعداد الكعك والمعمول، وروائح خبزه الشهيّة تعبق الأرجاء، أما اليوم فلم نعد نعده مطلقًا بعد غيابك، راحت رائحته يوم رحتِ، ولن أخبرك عن النهار الرمضاني الأول كيف يكون بكائيًّا بامتياز، ويقضيه أبي في البكاءِ والعويل، وهو يردد: "لقد فقدت ذراعي اليمنى".

اليوم، ونحن نتشارك تفاصيل الحياة كافة تضمني رغد، التي كانت في سن ثلاث سنوات يوم رحيلك بين ذراعيها، وهي تقول إنني أمها وأختها وحبيبتها وصديقتها، ومع كل شيء لا تحسبي أني أصدق موتك أبدًا؛ فطالما جاءت المرشدة التربوية تسأل في الفصل عن طالبات يتيمات الأم، ولم أرفع يدي يومًا، وكانوا قبلًا وزعوا قرطاسية على الفتيات اللواتي فقدن أمهاتهن فرفضت قبولها، لأنك حاضرة في كل لحظة من حياتي، ولأني لن أصدق الأمر مطلقًا، فتصديقي إياه يعني موتي الحتمي، يا أمي.