أسرة ومجتمع


​رحلات العودة ترفيه وثقافة وتحدًّ للاحتلال

لم يكتفِ أبناء قطاع غزة بالمشاركة فقط في المسيرات الأسبوعية، التي تنظمها الهيئة العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار على طول السياج الشرقي لقطاع غزة، الفاصل عن الأراضي المحتلة، والمطالِبة برفع حصار الاحتلال الإسرائيلي الجائر، الذي أنهك حياة ما يقارب مليوني مواطن وحولهم إلى حالاتٍ إنسانية صعبة .

الآن أصبحت تلك الحدود والأسلاك الشائكة محط أنظار كثير من سكان القطاع بسبب قربها من أراضيهم التي هُجّروا منها، فما كان منهم إلا أن يتخذوها وجهةً للترفيه والتنزه، بعد أن كان البحر خيارهم الوحيد لتفريغ ضغوطهم النفسية وأخذ قسطٍ من الاستجمام والراحة .

كل هذا دفع اللجنة العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار إلى عقد رحلاتٍ ترفيهية إلى مخيمات العودة شرقي القطاع، من شأنها التخفيف عن أبناء القطاع، وإحياء تراثهم الفلسطيني الأصيل، ورفع درجة وعيهم حقوقهم التي سلبهم الاحتلال الصهيوني إياها، وأهمها حق عودتهم إلى ديارهم المهجرة.

رواء خالد طالبة الصحافة والإعلام، وإحدى المشاركات في رحلات العودة، التي كانت في مخيم العودة في ملكة شرقي مدينة غزة؛ قالت: "شاركت في رحلات العودة كأي فتاةٍ فلسطينيةٍ حرة تحلم بالعودة لبلادها التي هُجرت منها (...) أحلم بالعودة إلى بئر السبع".

وبينت خالد أنها تغطي أحداث تلك الرحلة، وتكتب القصص الصحفية، ساعية إلى تسليط الضوء على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، ونشرها على أوسع نطاق ممكن.

وكذلك هو الحال مع أنس محمد ابن مدينة يافا، الذي لم يتوان عن المشاركة في تلك الرحلات، على وفق قوله, فتلك الرحلات -حسبما ذكر- أكسبته كمًّا كبيرًا من المعلومات المتعلقة بالتراث الفلسطيني والمدن والقرى الفلسطينية المحتلة ومعالمها وتاريخها العريق، ما جعله يوجه دعوة للشباب تحديدًا عبر صحيفة "فلسطين" إلى المشاركة فيها.

بلال الجعبير أحد منظمي رحلات العودة قال: "إن تلك الرحلات تأتي في إطار تـأكيد سلمية مسيرات العودة، وتخفيف الضغوطات عن كاهل المشاركين في المسيرات الأسبوعية عند السياج الفاصل شرقي القطاع، بسبب المخاطر التي تحدق بهم من قتلٍ وقنصٍ وإطلاق للنار من قوات الاحتلال الإسرائيلي".

وأكد الجعبير لـ"فلسطين" أهمية هذه الرحلات في إعادة بلورة الهدف الأساسي من مسيرات العودة، والتركيز على الصورة الإنسانية في تلك الأحداث، دون النظر إلى الشهداء والجرحى على أنهم أعدادٌ فحسب.

وقال: "إن الأعداد الكبيرة المشاركة في رحلات العودة جاءت لتتحدى العدو الصهيوني، وتثبت للعالم أجمع أنها قادرة على مواصلة الطريق حتى انتزاع حقوقهم التي سلبهم الاحتلال إياها، لافتًا إلى أن باب المشاركة في تلك الرحلات مفتوحٌ لجميع أبناء قطاع غزة من المحافظات كافة.

يشار إلى أن رحلات العودة التي تنظمها اللجنة العليا لمسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار في كل محافظة من محافظات قطاع غزة عند السياج الشرقي الفاصل عن الأراضي المحتلة؛ تستهدف شرائح متنوعة من المجتمع.

ومنذ اندلاع مسيرات العودة الكبرى في الـ30 من آذار (مارس) الماضي لا يزال الفلسطينيون يتوافدون في كل جُمعة إلى السياج الفاصل شرقي قطاع غزة، للمطالبة بالعودة إلى ديارهم، وكسر الحصار الذي يفرضه عليهم الاحتلال الإسرائيلي.


"مجدلاوي" رحل وترك علامات استفهام ورواية إسرائيلية

بعد انتشار صورة لجثة ممددة على رمال البحر في منصات التواصل الاجتماعي، أقامت عائلته بيت عزاء له، ومن الصدمة لم يتعرفوا عليه للوهلة الأولى، لأن "هاني" لم يكن يوما ينتمي لأي تنظيم، ولم يحمل سلاحا في حياته.. إنه شهيد يوم عرفة "هاني مجدلاوي" 28 عاما.

وقد نشر إعلام الاحتلال الإسرائيلي صورة لشاب ممدّد على الأرض وحوله دماء وقطعة سلاح من نوع كلاشنكوف، وبعد تكبيرها تعرّفت عائلته عليه، غير أن ذلك فتح بابا مستمرًا للتساؤلات التي تتردد على ألسنة عائلته وزوجته، ولم يجدوا لها إجابات بعد: "هل ما نشر في صحافة الاحتلال الإسرائيلي صحيح؟ وكيف وصل إلى هناك؟!".

يحب الحياة

أسامة المجدلاوي شقيق الشهيد، أكد مرارا وتكرارا أن هاني كان شابا هادئا خلوقا، يحب الحياة، ولم يظهر عليه يوما أي شيء مريب أو غريب يوحي بأنه قد يقدم على شيء من هذا القبيل.

يقول أسامة لـ"فلسطين": "يوم الإثنين في وقفة عرفة كنت برفقة هاني الساعة السابعة صباحا وأخبرني أنه ذاهب لشراء السمك لتناوله على الإفطار ولم تظهر عليه علامات الريبة والقلق بل كان طبيعيا جدا كعادته، وتأخره كان طبيعيًا بالنسبة لنا، لأن هاني هو عادة من يشتري السمك للعائلة كل فترة".

ويضيف: "الساعة الثالثة عصرا شاهدت صورة لشخص بجانبه قطعة سلاح ممدد على الرمل وتحيط به الدماء، مررت عن الصورة كما هي العادة حتى أخبرني أحدهم أن من في الصورة يشبه هاني وبالفعل قمت بتكبيرها وصدمت حينما تحققت من ملامحه".

ويتابع أسامة: "قبل يومين من استشهاده جمع العائلة كلها واستأجر شاليه، وعلامات السعادة كانت ظاهرة عليه، كان شابًا مرحا يحب لمة العائلة، متواضعا كريما".

ليلة استشهاده

ويشير إلى أن هاني كان يعمل ممرضا في مؤسسة أطباء بلا حدود الدولية، ويتقاضى راتبا عاليا ويعيش في مستوى اجتماعي مريح، لا ينتمي لأي تنظيم أو فصيل، وتزوج منذ أربعة أشهر وزوجته حامل.

"قبل يوم من استشهاده ليلا اجتمع الإخوة يتباحثون حول شراء الأضحية، وكان الشهيد هاني يقود الحديث نحو تفاصيل زيارة الأرحام واستئجار سيارة لذلك الأمر"، وفق شقيقه أسامة.

ويؤكد شقيقه أن هاني رحل بشكل غامض، لم يترك أثرا، أو حتى وصية تدل على أنه ينوي فعل عمل كهذا، لذا ترك علامات استفهام كثيرة تريد العائلة من أي جهة إيضاحها لها.

ويلفت أسامة إلى أنه توجه إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قطاع غزة لمطالبتها بالتأكد من صحة الأخبار التي نشرها إعلام الاحتلال الإسرائيلي، وإن كان فعلا قد قتل، فالعائلة تريد استرداد جثمانه لمواراته الثرى.

تفكير شقيق الشهيد يضج بالكثير من الأسئلة، التي يريد جوابا شافيا عنها، يقول: "ما وصلنا حتى الآن هو رواية الاحتلال الإسرائيلية التي لا نصدقها بكل تأكيد، ونريد أن نعرف السلاح الذي ظهر بجوار هاني هل تم وضعه باليد، وإذا كان له من أين أتى به؟!".

ويردف أسامة: "هل قُتل هاني في الجانب الإسرائيلي أم الفلسطيني؟ من الذي أوصله إلى هناك وكيف وصل؟! لا يجيد السباحة ولا يحبّ ممارستها في البحر أيضا".

فتح تحقيق

ويوضح أن دوام هاني كان ينتهي الساعة الخامسة مساء، لم يكن يتأخر عن البيت، لم يتعود السهر خارج البيت مطلقا، قائلا: "قبل زواجه كنا نبيت في غرفة واحدة، وكان يخلد إلى النوم بعد العشاء، وكان يوقظني لصلاة الفجر".

ويواصل أسامة حديثه: "لم يتأخر يوما عن بيته، كان ملتزما في عمله لم يتأخر أو يخرج خلال الدوام، ولم يحصل على إجازات".

ويستنكر اختراق حسابات مجهولة الصفحات الشخصية لإخوته على موقع فيس بوك، ونشر إشاعات وروايات كاذبة على أنها صدرت على ألسنتهم.

ومن الافتراءات التي فندها أسامة، يقول: "هاني باع ذهب زوجته واشترى سلاحه من حر ماله، وهذا كذب، وأنه ذهب للانتحار لأنه أرغم على الزواج بزوجته وهذا ليس له أساس في الحقيقة، لأنه كان مرحا ومتعاونا للغاية مع زوجته وأهله، وهذه الإشاعات مصدرها الموساد الإسرائيلي".

ويُحمّل شقيق الشهيد الاحتلال الإسرائيلي مسئولية مقتله، مطالبًا منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية كالصليب الأحمر بفتح تحقيق في كيفية مقتل هاني، وضرورة إعادة جثته إلى قطاع غزة.


​تشنجات محمد شاهدة على وحشية الاحتلال



محمد البدري (14 عامًا) طفلٌ كان يشارك في فعاليات مسيرة العودة الكبرى كل جمعة، مثله مثل كل الأطفال الذين يشاركون فيها، لكنه لم يسلم من قوات الاحتلال الاسرائيلي, حيث أصيب بشظايا في رأسه والتي أدت لإصابته بكسر في الجمجمة.

يرقد محمد البدري منذ أسبوعين في إحدى غرف مجمع الشفاء الطبي على سريره، وبجانبه والده الذي يقول: "يشارك طفلي محمد كل جمعة في فعاليات مسيرات العودة الكبرى".

ويقول والده: "أصبح ابني يعاني من نزيف في الدماغ، يسبب له تشنجات دائمة وقد خضع لعمليتين الأسبوع الماضي إلا أن الأطباء يقولون إن وضعه مستقر حالياً".

بصوت منخفض ومرهق لا يستطيع رفعه من شدة التعب والوجع يقول محمد لـ "فلسطين": "كان جنود الاحتلال الإسرائيلي يصوبون أسلحتهم الرشاشة نحو الواقفين، ولم يستثنوا أحدًا من رصاصهم فقد أصيب أغلب أصدقائي أيضاً".

يتابع: "كانت الأوضاع صعبة للغاية، بعد إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي الغاز الخانق والمسيل للدموع والقنابل المتفجرة علينا، على الرغم من أننا لم نشكل أي أذى أو خطر على الجنود، إذ كنا نبعد مئات الأمتار عن تواجدهم، إلا أن الغاز والدخان أصبح يملأ المكان من حولنا حتى أصبحنا لا نستطيع رؤية ما حولنا جيداً".

يضيف: "لم أشعر بالخوف من المشاركة في كل جمعة، واستمررت بالذهاب, ففي كل جمعة تزداد أعداد المشاركين في المسيرات من رجال ونساء ومن هم أصغر مني سناً".

ويوضح أن الجميع كان هناك ولم يملوا من المطالبة بحقهم في العودة إلى أراضيهم المحتلة والعيش بسلام, "وعلى الرغم من رؤيتي للشهداء والمصابين إلا أنني كنت مصراً على الاستمرار في الذهاب والمشاركة"، وفق قوله.

لم تخف طلقات العدو المشاركين في فعاليات مسيرات العودة الكبرى على الرغم من تسبب هذه الطلقات بإصابات خطيرة، إلا أنه في كل جمعة يرجع المصابون بحماس أكبر وبعزيمة وقوة أكثر للاستمرار في المشاركة بهذه المسيرات فرسالتهم للعدو أصبحت واضحة أن لا شيء سيقف أمامهم ولا شيء سيمنعهم من الاستمرار في المطالبة بحقهم بالعودة إلى أراضيهم.

يتابع محمد قائلاً: "أنا لست لاجئا لكني أذهب مثل أي طفل لأطالب بفك الحصار وحق العودة، ويجب علينا جميعاً أن نشارك في هذه المسيرات وأن لا نستسلم للعدو وأن نتوحد لنستطيع تلبية حقوقنا".

وأخيراً عند سؤاله عن أمنياته ابتسم قائلاً: "أتمنى فقط أن ينفك هذا الحصار الظالم عنا وأن تنتهي الحروب عن بلادنا وأن نعيش بسلام مثل جميع أطفال العالم".

ووفق آخر إحصائية صدرت عن وزارة الصحة الفلسطينية فإنه في الجمعة الحادية والعشرين لمسيرات العودة وكسر الحصار التي انطلقت في 30 مارس الماضي شرق قطاع غزة بلغ أعداد الشهداء 170 شهيدًا وعدد الإصابات 18300 إصابة مختلفة بين المدنيين العزل والطواقم الطبية والاعلامية.

ولا تزال فعاليات مسيرات العودة الكبرى مستمرة كل يوم جمعة مع تزايد أعداد المشاركين على الرغم من تعمد قوات الاحتلال الإسرائيلي إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع على المشاركين فيها، وإيقاع ما تيسر له من الشهداء والمصابين.


​العنف العاطفي دمار مستقبلي للطفل

كثيراً ما يمارس الأهل العنف ضد أطفالهم حيث يتنوع هذا العنف ما بين العنف الجسدي أو المعنوي إلا أن هناك نوعًا آخر يكون أكثر تأثيراً على نفسية الطفل من النوعين الماضيين وهو العنف العاطفي.

فالعنف العاطفي وحسب الأخصائي النفسي إسماعيل أبو ركاب هو العنف الممارس على الأطفالمن خلال الصراخ عليهم، والتقليل من شأنهم، وتوبيخهم بشكل مستمر وإهانتهم وضربهم باستمرار أمام الغرباء.

وقال أبو ركاب في حديث لـ"فلسطين" إن: "الأهل مسموح لهم اتخاذ أي إجراء طالما أنه لا يحصل أمام الناس، فالطفل يمكن أن يتقبل أي تصرف من قبل الوالدين طالما يحصل بينه وبينهم في معزل عن الناس وليس أمام الآخرين".

وأضاف أن: "تعنيف الطفل عاطفياً أمام الأهل والأصدقاء أو حتى أمام الغرباء له تأثير مدمر على شخصية الطفل؛ حيث سيجعله يشعر بالدونية وبأنه أقل من الآخرين وبالتالي ستضعف شخصيته وسيكون عاجزاً عن مواجهة أي مشكلة يمكن أن يواجهها بعد ذلك".

وأردف: "كما يمكن أن يؤثر العنف العاطفي على الطفل ويجعله يصاب بالاكتئاب والخوف المستمر من والديه، والبكاء المستمر عند مواجهتهم في أي موقف، بالإضافة إلى أن الطفل سيفقد ثقته في والديه وبالتالي فقدان الأمان في حياته باعتبارهما المصدر الأول له".

وبين أبو ركاب أن العنف العاطفي أو المعنوي له تأثيرات خطيرة على الطفل يمكن أن تتطور في حال استمرار تعرض الطفل لها كأن ينطوي الطفل على نفسه، ويرفض الاختلاط بالمجتمع والمشاركة بالأنشطة اليومية الاعتيادية.

ورجح إمكانية نقل الطفل لهذا العنف العاطفي وممارسته بدوره على زملائه والأطفال المحيطين به، وفي هذا الأمر خطورة أن يصاب أحد الأطفال والزملاء بإصابات خطيرة.

ولفت أبو ركاب إلى أن الدين الإسلامي بيّن طريقة التربية الصحيحة مع الأطفال والتي يجب ألا تكون شديدة بشكل كبير، وألا يكون الدلال هو أساسها، واعتماد مبدأ مسك العصا من النصف فلا تدليل ولا تشديد بشكل كامل.

وأفاد أن تربية الطفل ليست بالصعوبة التي يتوقعها الأهل وبالتالي لا داعي للمبالغة في التربية بشكل قاسٍ بحيث تحمل تلك الأساليب تجاوزات وإهانات قاسية لطفل لا يزال صغيراً من الطبيعي أن يخطئ ويتعلم من خطئه بعد ذلك.

وأكد أبو ركاب على ضرورة عدم حرمان الوالدين للطفل من العاطفة التي يحتاجها خاصة في صغره مع ضرورة عدم استخدام العنف كطريقة للتربية خاصة العنف الممارس أمام الاقارب والناس الغرباء.

وشدد على أنه يجب على الوالدين عدم إهانة الطفل أمام الآخرين فإن هذا كفيل بتدمير شخصية الطفل بشكل تام وسيشعر بالدونية وأنه أقل من الآخرين لأنه في وجه مقارنة بينه وبين الأقارب.