.main-header

مجتمع

التاريخ كفيل بالحكم على (فيدل كاسترو) ثائرًا كان أم مستبدًا..وبعيدًا عن الشعاراتية، قد يكون كاسترو عزل كوبا وحرم الكوبيين من الحرية بمفه..
sq-sample7
خالد وليد محمود
كاتب
ذاكرة الأيام

اليوم/ ٢٨‏/٥‏/٢٠١٧

مع ضيف مهم جدا

قريباً زاوية جديدة


٢:٠٠ م
٢٧‏/٥‏/٢٠١٧

​ثلاثة أيام في السجن.. (4)

​ثلاثة أيام في السجن.. (4)

انطلقت بي سيارة البوسطة قريبًا من غروب الشمس نحو سجن (مجدّو) في شمال فلسطين، ووُضِعتُ في الزنزانة التي فيها، وهي غرفة حديدية صغيرة معتمة، فيها كرسيان اثنان إذا جلس فيها أسيران ضاقت بهما، ولهذه الزنزانة شباكان صغيران، أحدهما لداخل السيارة والآخر لخارجها، ولكنهما مغلقان بلوح من الحديد فيه ثقوبٌ قطر الواحد منها نحو نصف سنتيمتر، لا تكفي سوى لإدخال قليل من الضوء لا يكفيك لترى أبعد من يديك، وقليل من الهواء يكفيك بالكاد لتتنفس، ورغم ذلك فهم يغلقون الشباك الداخلي بستارة والخارجي بزجاج السيارة.

انطلقت بي زنزانتي المتحركة تذرع الأرض، ولعلها احتاجت نحو الساعتين لتصل مقصدها، وهناك –أمام سجن (مجدّو) الذي لم أدخله منذ سنة 1996– وقفت وأُنزِلتُ منها، لأِمُرَّ بالإجراءات المعتادة لدخول السجن: التفتيش الشخصي، وتفتيش الأغراض التي أحملها معي، والتشخيص، وتصويري لإعداد (بطاقة سجين) عليها صورتي ومعلوماتي، والفحص الطبي الذي أجراه ممرض لأن الطبيب لم يكن موجودًا، ثم الانتقال إلى القسم الذي سأقضي فيه ليلتي.

في سجن (مجدّو) يوجد (معبر) يُستقبَل فيه القادمون الجدد والأسرى الآتون من سجون أخرى لحضور جلسات المحاكمات في معسكر (سالم) القريب من هنا، ولمقابلة مسؤولي المخابرات في المناطق، وقد جرت العادة منذ مدة أن يتم إخراج كل أسير من منطقة الشمال اقترب موعد إفراجه لمقابلة ضابط منطقته، ولذلك فهذا المعبر مليء بشكل دائم.

دخلنا المعبر، وكان في قسم (6)، وقد علمت ممن هناك أن المعبر الأصلي موجود في قسم (10)، غير أن هناك تصليحات تتم فيه، ولذلك تم نقله إلى قسم (6) بشكل مؤقت، وقسم (6) يعيش فيه أسرى حركة فتح، وفيه بعض الأسرى من الجهاد، أما أسرى حماس فهم موجودون في قسمي (1) و(8) فيما علمت.

تم إدخالي الغرفة رقم (7) وذلك نحو الساعة الحادية عشرة ليلًا، وكنت مرهقًا بشكل كبير، فقد قضيت جلَّ الوقت منذ اعتقالي حتى دخولي الغرفة مقيّدًا أنتقل من سيارة بوسطة إلى زنزانة إلى سيارة بوسطة، وقد عرض عليَّ الشباب الذين كانوا في الغرفة أن أتناول من الطعام الموجود، وهو عبارة عن ساندويشات يبقونها من طعام الغداء تحسبًا لقدوم أسير جديد، إذ ليس في الغرفة ما هو موجود في غرف السجن العادية من طعام وأدوات لتحضيره، ولكني –ورغم كوني لم آكل طوال النهار سوى علبة لبنٍ رائبٍ صغيرة– كنت مرهقًا لدرجة أني لم أكن أرغب إلا بأداء صلاتي المغرب والعشاء، ثم الخلود للنوم.

استيقظت لصلاة الفجر، وقد بدأ النور ينتشر في الأفق قبل طلوع الشمس، ويبدو أن الغرفة التي كان فيها (10) أسرى غيري لم يُصلِّ فيها الفجر سواي واثنين آخرين، وقد صلى كل واحد منا منفردًا، ثم عدت وحاولت النوم فلم أستطع.

وعندما تم فتح الفورة، نحو الساعة السابعة صباحًا حملت مصحفي وخرجت لساحة القسم، وكان فيها الأسرى الخارجون إلى المحاكم والمقابلات، وعمال (المردوان)، ورأيت في الساحة وأنا نازل من درج الطابق الثاني الأخ بكر أبو ربيع (أبو عبيدة) فاستغربت وجوده هنا، وفوجئ هو برؤيتي، إذ كان قد ودَّعني عندما أفرج عني من قسم (3) في سجن النقب قبل (9) أشهر.

الأخ (أبو عبيدة) من مدينة (الناصرة)، عمره نحو (50) عامًا، وهو محكوم بالسجن (20) عامًا، قضاها كلها وبقي منها شهران اثنان فقط، وقد علمت أنه هنا لمقابلة ضابط منطقته قبل الإفراج عنه، وكنت قد التقيت به وتعرفت عليه في سجنتي الأخيرة في سجن النقب، وكان برشه مقابل برشي، رغم ألم السجن وقهره إلا أن رؤية المرء بعض إخوانه ومعارفه يخفف عليه من ذلك، وقد سعدت بلقاء الأخ أبي عبيدة والحديث معه، وأسأل الله تعالى أن يعجل بفرجه ويحفظه ويرده إلى أهله سالمًا.

خلال وجودي في ذلك القسم، وهو تابع لفتح كما أسلفت كان استقبال الإخوة المسؤولين عن القسم لي جيدًا لطيفًا، وخصوصًا الأخ مراد المتحدث باسم أسرى ذلك القسم (دوبير القسم) والأخ أمجد موجه عام فتح في سجن (مجدو)، وقد طلبت منهم التسريع بنقلي إلى قسم (8) حيث يوجد كثير من إخواني ومعارفي، فوعدوا بأن يتم ترتيب ذلك مع الإدارة خلال هذا اليوم.

استُدعيتُ بعدها لعيادة السجن ليفحصني طبيب السجن ويَطَّلِعَ على ملفّي، وخصوصًا أنني أعاني من أمراض مزمنة عديدة، منها السكري والضغط والنقرس وزيادة الكوليسترول والديسك، وأتناول عدة أنواع من الأدوية بشكل دائم، وبعد الفحص وإجراء تخطيط للقلب، أجرى تحديثًا على ملفي الطبي الموجود مسبقًا عندهم على الحاسوب من السجنات الماضية.

وقبيل صلاة العصر تم نقلي إلى قسم (8)، حيث وجدت الاستقبال الحارَّ الودود من إخواني هناك، وكان عدد من الشباب يلعبون كرة الطائرة في ساحة القسم، والتي لا تزيد مساحتها على المساحة اللازمة للعبتهم إلا قليلًا، فجلست والإخوة الذين استقبلوني في زاوية من زوايا الساحة، وكان الإخوة من المشايخ الأفاضل يأتون تباعًا من غرفهم للتسليم عليَّ والترحيب بي، وكنت ألحظ في عيونهم الأسف لتعرضي للاعتقال مرة أخرى.

أغلب المشايخ الموجودين في القسم سبق لي الالتقاء بهم أكثر من مرة في السجنات السابقة، وكثير منهم لا أراه إلا في السجن، فالظروف في الخارج لا تتيح لنا تبادل الزيارات الاجتماعية إلا لمامًا، ونحن من مدن متفرقة، وسبحان الله، فرغم أن الجغرافيا وحواجز الاحتلال فرقتنا، إلا أن سجونه قد جمعتنا.

بقيت في الساحة مع إخواني حتى حان موعد إغلاق القسم ودخول كل الأسرى إلى غرفهم، وذلك نحو الساعة السادسة والنص مساءً، وكان الإخوة قد رتبوا أن أقيم في غرفة (1) غير أني علمت أنهم يريدون إخراج أحد الشباب منها لتسكيني فيها، فطلبت منهم أن لا يفعلوا، وقلت لهم أني مستعدٌ للسكن في أي غرفة، فكل الذين هنا إخواني، وأنا لا أقبل بأن يتم نقل أخ من غرفته التي هو مرتاح فيها لأجلي، فاستجاب الإخوة وجعلوا إقامتي في غرفة (12).

غرفة (12) التي قضيت فيها تلك الليلة كان فيها (9) من الشباب، منهم ثلاثة من طلبة كلية الهندسة في جامعة النجاح، وواحد من عرب الداخل من الدواعش المبايعين لأبي بكر البغدادي، وهؤلاء عادة يعيشون في أقسام حماس أو الجهاد تحت شروط تفرض عليهم الالتزام بالنظام العام وعدم الترويج لفكرهم وعدم المجاهرة بتكفير المسلمين حولهم، وقد لاحظت خلال وجودي تلك الساعات القليلة في الغرفة قبل النوم، وهي نحو (4) ساعات، أن هذا الشاب الداعشي البالغ نحو (28) عامًا من العمر كان يتابع فيلمًا أجنبيًّا على قناة إسرائيلية، وكان خلال ذلك يلعب الشطرنج مع أخ آخر، ويقوم بين الحين والحين لتدخين سيجارة عند شباك الغرفة.

كان الشاب الذين في الغرفة قد أعدّوا ضيافة لاستقبال العبد الفقير القادم إليهم، ورغم عدم معرفتي بأيٍّ منهم مسبقًا إلا أنك تشعر في تلك الأجواء بدفء الأخوة، فهي قلوب قد اجتمعت على محبة الله والتقت على طاعته وتوحدت على دعوته وتعاهدت على نصرة شريعته، ولا يضيرها أن يكون أصحابها من أماكن شتى وعوائل مختلفة، ففيهم من هو من الجنوب ومن هو من الشمال، وفيهم ابن المدينة مع ابن القرية مع ابن المخيم، لا يفرق بينهم شيء بفضل الله تعالى.

وقد جلسنا جلسة تعارف لطيفة، عرّف كل واحد منا بنفسه، ودار بيننا حوار أخوي جميل، شارك فيه أخونا الداعشي –هداه الله– وحدّثنا كيف اعتقل، وأنه مبايع للبغدادي على النت، وعلى فكرة فالشاب الداعشي هذا هو من أَمَّنا في الصلوات الثلاث التي شهدتها في الغرفة (المغرب والعشاء والفجر).

خلدتُ للنوم، ولم يكن اسمي قد أتى ضمن الذين لهم محاكم، إذ كان الأمير العام قد حاول ألا يتم إخراجي في البوسطة إلى عوفر، إلا أن اسمي جاء في الصباح للخروج في رحلة بوسطة كان المفترض استمرارها أسبوعًا، فخرجت في البوسطة، ولكنّ الله سلَّم من البقاء أسبوعًا.


١٢:١٣ م
٢٧‏/٥‏/٢٠١٧

​صوم العصفورة (1)

​صوم العصفورة (1)

الاسم: قصي أحمد عبد اللطيف

العمر: 12 عامًا

عنوان السكن: مدينة غزة_ الرمال الجنوبي

وشقيقه؛ محمد عبد اللطيف

العمر: 10 سنوات ونصف

الاسم: فايز حمدي الحلبي

العمر: 7 أعوام

السكن: مشروع بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة

سبب الصيام: الكبير يتحمل الصيام، وقد أصبحت كبيرًا، وسأسعى لنيل الحسنات عند رب العالمين

الاسم: ربا وسيم حمودة

العمر: 4 أعوام

عنوان السكن: بيت لاهيا، شمالي غزة

سب الصيام: أمي تشجعني دائماً على الصيام وتعلمني القرآن وتشرح لي فضل الصيام، لذلك سأصوم بضع ساعات ليحبني الله.

إيمان وإبراهيم ورغد وائل نجم المصري

إيمان: 10 اعوام

إبراهيم: 5 اعوام

رغد: 8 أعوام

عنوان السكن: مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة

تقول الأختان: نصوم لأن الصيام فرض من الله تعالى، وكي نشجع أخانا على خوض تجرية الصيام ولو لساعات قليلة

الاسم: عبد الرحمن بلال ياسين

العمر: 6 أعوام

عنوان السكن: حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة.

سبب الصيام: يقول والده الدكتور بلال ياسين: إن مرحلة الطفولة التي تتراوح بين الخامسة والعاشرة من أهم المراحل التي تساهم في تكوين الإنسان واتجاهاته المتعددة، لذلك فإني حريص على استثمار هذه الفترة في تعليم ولدي عبد الرحمن القيم الحسنة والأخلاق النبيلة.

وفي الحديث عن عبادة الصوم يزداد حِرصي لاستثمار حماسته في الامتناع عن الطعام والشراب وذلك من خلال تشجيعه المعنوي والمادي لصيام الساعات الأولى من اليوم، واستفزازه بأسئلة مُتعددة لتوضيح هذه العبادة ومقاصدها الجليلة، وتوجيهه نحو مشاهدة أناشيد الأطفال التي تخدم الفكرة بشكلٍ صحيح، كما أني لا أُجبره على الصيام بل أُحاول أن يكون صريحاً في مواعيد صومه وإفطاره؛ لتعزيز جانب الحرية والقناعة؛ لذلك فإني لا أنصح باستخدام أسلوب التوبيخ للأطفال المفطرين مثل: يا مفطر يا قليل الدين وما شابه ذلك.


​طقوس رمضان تتوقّف بأَسْر الطفل شادي

"شادي: ماما اشتريتو عصير لوز؟، أمه: لا يا ماما، ما جبناه، شادي: ليش يا ماما، أمه: إنت إللي كنت تجيبه يا ماما، وخواتك ما بيحبوه، بطلنا نجيبه، شادي: والله نفسي يا ماما في عصير اللوز".

هذا الحوار الموجع دار بين أصغر أسير في العالم وأمّه في رمضان الماضي، الأسير المقدسي شادي فراح (13 عامًا) محكوم عليه بثلاث سنوات أسر، وخمس أخريات مع وقف التنفيذ، يغيب للعام الثاني على التوالي عن مشاركة عائلته في طقوس شهر رمضان، و"فلسطين" تنقل وجع الغياب في تقريرها.

شادي والمسحراتي

تقول والدة شادي: "أن يمر يوم من أيام رمضان دون وجود أحد أفراد الأسرة أمر مؤلم، فكيف إن كان الغائب صاحب الروح والطاقة والحيوية وصانع الجو شادي؟!"، مع تنهيدة وجع حملتها أسلاك الهاتف وسيلتنا الوحيدة للتواصل معها، مكملة: "كل أيامنا في رمضان الماضي كانت بكاء على المائدة، لأن كل شيء يذكرنا به".

من المواقف التي تستذكرها أن لشادي عمًّا يملك محلًّا لبيع الحمص والفلافل وعصائر التمر الهندي واللوز، كان شادي يذهب لمساعدة عمه في المحل، ثم يعود قبيل الإفطار وقد أحضر العصائر لمائدة عائلته، لكن مع غيابه في الأسر في رمضان الماضي خلت المائدة من كل ما يحبه هو، أو كان يحضره بنفسه.

ولا تنسى أن تحدثنا عن شادي والمسحراتي، فكان شادي في كل ليلة يسمع فيها صوت المسحراتي يصر ويلح على والدته، حتى توافق له على النزول معه كسبًا للأجر بإيقاظ الناس لتناول طعام السحور، تقول: "يترجاني مؤكدًا أنه لن يبتعد كثيرًا عن المنزل، ولا يتركني إلا بعد أن ينال الموافقة، فيذهب مسرعًا يرافق المسحراتي في جولته".

كأي أم تتحدث بفخر وحب عن ابنها، كان صوتها نابضًا بهذه المشاعر، ذكرت أن شادي الثاني في أولادها لكنه الذكر الأول، وهو ساعدها الأيمن في كل شيء، هو الأخ والصديق قبل الابن، مع أنه سيكمل عامه الثالث عشر هذا العام، الحنون على إخوته، ومهما طلبت منه "يركض" فورًا لتلبيته.

إذًا كيف رمضانك الأول دونه؟، هنا كأني نكأت جرحًا، أو أن الصمود تخلى عنها لحظة، فتهدج صوتها قليلًا، وهي تقول: "إذا اتصل بي وسألني ماذا أعددت من طعام؛ أخبره بأني لم أجهز شيئًا بعد"، مرجعة ذلك إلى رغبتها في ألا يشعر بالوجع وهو يقارن ما تأكله عائلته بما يأكله هو داخل السجن.

رنة الوجع علت وتيرتها في صوتها، وهي تتحدث عن "محشي ورق الدوالي (ورق العنب)" الأكلة المفضلة لشادي، فهي قاطعت في داخلها كل طعام يحبه شادي، لكنها تضطر بين الحين والآخر أن تجهزها لإخوته حتى لا يشعروا بأنهم مقيدون بسببه، عندها تموت ألف مرة مع كل "لفة" ورقة من ورقات الدوالي، وفي قلبها غصة أن شادي لن يأكل، ولو واحدة منها.

ملابس العيد

تعود بذاكرتها إلى ما قبل رمضان، إلى الاستعدادات التي كان شادي يصحبها فيها مع والده، لشراء الزينة وأغراض الشهر الفضيل من تمر وجبنة وعصائر، لكن الزمن لديها توقف عن الإحساس برمضان، لم تتسوق، لم تشتر الجبنة، ولا التمر، ولا أي شيء، كل الطقوس توقفت بغياب شادي عنها.

التقطت أنفاسها، مستجمعة قواها، لتتيه دقائق فخرًا بشادي، الذي شارك في رمضان الماضي في مسابقة داخل السجن لحفظ القرآن الكريم، مع أن القائمين عليها طلبوا منه إفساح المجال لغيره من كبار السن للمشاركة فيها، لكنه أصرّ أن يشارك فيها ليفوز بالمرتبة الأولى، كونه حفظ أكبر عدد من أجزاء القرآن الكريم وقتها.

في المحطة الأخيرة للقائي معها خارت قواها تمامًا، وبدا تمييز الكلمات صعبًا جدًّا، فمن بين دموعها عرفت أنه مع اقتراب عيد الفطر الماضي كانت مارة بالسوق، لفت انتباهها الأطفال برفقة عوائلهم وهم يشترون ملابس العيد، وأخذت تتذكر كيف كانت تشتري ملابس العيد لشادي وإخوته.

هنا لم تجد نفسها إلا بداخل أحد المحال، تطلب منه ملابس لطفل في سن الثانية عشرة، صاحب المحل رفض أن يعطيها، وهو يقول لها: "إن اليوم آخر أيام الشراء، وغدًا العيد، فكيف يمكن لك أن تبدلي الملابس في حال لم تكن مناسبة؟!"، طالبًا منها أن تعود وتحضر ابنها معها، ردت عليه: "من وين أجيبه؟!، قلي من وين؟!".

في نهاية المطاف اشترت له "بلوزة" وبنطال من النوع الذي يحب، وأرسلتهما له في السجن، كانت فرحة شادي توزاي فرحة والدته، فهي أثبتت له أنه _وإن كان بعيدًا عنها_ لا يزال في قلبها يسكن، وتتذكره بكل شيء، حتى في شراء ملابس العيد أكثر الأمور إسعادًا لكل طفل في العالم، فما بالكم بأصغر أسير؟!


​المواطن كحيل.. يحول القطع الصماء لـِ "أنتيكا"!

قطع خشبية صامتة متفاوتة الحجم، ويسودها الصمت والجمود، لكنها سرعان ما تدب الحياة فيها فتنطق، حين يضع بصماته الحرفية عليها، ففي ورشته الصغيرة رفوف حملت إبداعاً خشبياً لتحف وقطع أنتيكا، هذا عدا عن غيرها المتدلي بحبال من سقف الورشة، فما أن تطأ قدمك المكان تسرق نظرك دون استئذان..

هشام كحيل (57 عامًا) يسكن في حي التفاح الواقع شرق مدينة غزة، يقضي ساعات يومه يفرغ إبداعه الفريد من نوعه بداخل هذه القطع الخشبية ليصنع منها مشغولات يدوية، ليحاكي فيها أصحاب الأذواق الراقية والذين يهتمون بالتحف والأنتيكا.

في طفولته العم هشام كان كثير النشاط والحركة، وتميل نفسه للأشياء العملية، فقد كان له "شاكوش" صغير يمارس فيه هوايته الطفولية، وعندما وصل لمرحلة الثانوية فاجأ والده بقراره بأنه يريد الالتحاق بالمعهد المهني، جاراه والده ليكمل الثانوية العامة، وبعدها سيكون لكل حادثٍ حديث، "خاصة أن والدي وجميع إخوتي حملة للشهادات الجامعية، لذلك كان قبول والدي لاختياري صعبًا بعض الشيء".

فتخرج من المعهد عام 1976م، وعمل في مهنة النجارة في المناطق المحتلة 48 لفترة طويلة، وتنقل حاملًا فكره في النجارة في عدة بلدان عربية كالأردن والسعودية، ومع أحداث الانتفاضة الثانية عام 2000م عاد إلى القطاع لظروف.

فهذه كانت بداية طرف الخيط لإنشاء مشروعٍ خاص به، فافتتحت ورشة للنجارة في المنطقة التي يقطن بها، ليكون مصدر رزق له ولعائلته، وأضاف كحيل: "ففي بداية المنجرة كان تركيز الشغل على صناعة الأثاث المنزلي والمكتبي، و"دربزين" لمنابر المساجد والأدراج، فقد كان العمل بنظام الخراطة مغيبا في غزة".

وبعد سنوات من العمل في هذا المجال اضطر إلى التخفيف منه بحكم انتشاره، وقلة الاقبال عليه بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في القطاع، فما كان منه إلا أن تكون له بصمة في الإبداع خاصة أنه اختار مهنة النجارة عن "حب"، فتوجه نحو صناعة التحف الفنية الخشبية "الأنتيكا".

هدايا للأصدقاء

وتابع كحيل حديثه: "عندما خطرت في بالي عمل هذه المشغولات كنت أستخدمها كهدايا لأصدقائي، وكانت تلقى إعجابًا لم أتوقعه، فتوجهت لصناعتها، خاصة أنها تنقلني للماضي الجميل حيث الحنين والتراث الفلسطيني، فشعرت أنني بذلك أتمكن من الحفاظ عليه، وأن يبقى حاضرًا في ذهن الأبناء".

بين يديه التي فقدت إصبعًا أثناء اندماجه في العمل يمسك القطعة الخشبية ويشكلها كما تروق له، فالفكرة ما هي إلا وليدة اللحظة، فأوضح أن الخشب فيه مرونة وجمال، وبذات الوقت قوة وصلابة، فيصنع منه تحفا يدوية على شكل فخار، مدفع رمضان، ومجسمات أخرى.

وأشار إلى أن من أنواع الخشب المستخدمة خشب أشجار الزيتون والحمضيات والسرو، واللوزيات، وما تحتويه منى عقد خشبية داخلية يساهم في إضفاء لمسة من الجمال على التحفة.

فتلك الآلة التي يستخدمها قد صممها بنفسه لتتواءم مع مشغولاته، كما أنها يدوية رغم أنه يوجد منها ما هو على النظام الأوتوماتيكي, لكنها لا تعطيه حرية في التصميم، ورائحة الخشب التي بات يعشقها رغم آثارها السلبية على صحته البدنية، "فكأس حليب بعد يوم شاق من العمل ينهي الأمر".

وبين أن تلك المشغولات اليدوية تعيده إلى حنين الطفولة، كما أنها تحمل تفاصيلها المعالم الدينية من ناحية، وأخرى وطنية وتراثية، وحرفية، كمدفع رمضان، والقطار، والمفتاح، والفخار، ومنوهًا إلى أن عمله في الخشب يُشعره بشيء من الدفء والقرب من النفس، ويعبر عن مشاعره.

فكل قطعة خشبية كانت تضيف شيئًا جديدًا إلى شخصية كحيل، فمنها من علمته المثابرة، وأخرى طولة البال، والصبر، والدقة، ويمكن له من أي قطعة خام صماء أن يبعث فيها الحياة والروح.

وكحال أهل غزة فهو يعاني من الحصار المطبق عليها منذ أكثر من عشرة أعوام، وما له من تأثير عليه وعلى طابع البلد, والوضع الاقتصادي السيئ يقلل من إقبال الزبائن على مشغولاته، إلى جانب محدودية ساعات قدوم التيار الكهربائي، ويحلم كحيل بتطوير مشروعه الخاص، ويتمكن من تصدير التحف والمشغولات للخارج.