مجتمع

أبو سنيدة لـ"فلسطين": هذا ما يحتاج إليه المرضى النفسيون بغزة

ليس بعيدًا عن اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يحل سنويًّا في 10 أكتوبر/ تشرين الأول، كشفت رئيس قسم التطوير في الإدارة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة بغزة نظمية أبو سنيدة، عن الدور الذي تؤديه إدارتها لخدمة المرضى النفسيين بغزة، مسلطة الضوء في الوقت نفسه على احتياجاتهم.

وتظهر آخر الإحصاءات أن أعداد متلقي الخدمات من جميع مرافق الصحة النفسية لعام 2018 بلغ 90346 حالة.

وتوضح أبو سنيدة في حديث مع صحيفة "فلسطين"، أن الإدارة العامة للصحة النفسية في الوزارة تنقسم إلى ثلاث دوائر: التطوير، والخدمات وهي عبارة عن ست مراكز موزعة على قطاع غزة: رفح، وخانيونس، والوسطى، وشرق غزة وغربها، وفي الشمال، والدائرة الثالثة التأهيل لعلاج الإدمان والمبيت، والتأهيل والتخطيط الدماغي.

ويلقي تردي الأوضاع الاقتصادية بسبب الحصار في قطاع غزة بظلاله منذ 13 سنة، إلى جانب ما يخلفه ذلك من أزمات اجتماعية، ما يزيد من نسبة من يعانون مشكلات نفسية.

وتشير أبو سنيدة إلى أن أكثر الحالات المرضية المترددة على العيادات النفسية هي مرضى طيف الفصام العقلي والاضطرابات الذهنية الأخرى.

وتبين أن نسبة المرضى النفسيين المسجلين من الذكور أعلى منها من الإناث، وذلك بسبب رفض البعض فكرة إرسال بناتهن إن كنّ يعانين مرضًا نفسيًّا إلى المراكز الصحية النفسية لتلقي العلاج.

وتقول أبو سنيدة: إن قسم التأهيل ينظم العديد من الأنشطة الرياضية والترفيهية، إضافة إلى الأشغال اليدوية، والفنون والرسم، والتدبير المنزلي، والخياطة والتطريز، وتعليم مهارات حياتية، وخدمات علاجية وتأهيلية، ومرضية، وإجراء اختبارات نفسية، وتقييم نفسي واجتماعي، وجلسات دعم نفسي جماعي وفردي، وزيارات منزلية.

وتفيد بتنظيم حملات توعوية وتثقيف صحي، قائلة: منذ بداية العام نفذت نحو سبع حملات توعوية عن الإدمان والاكتئاب وغيره، إلى جانب اللقاءات التثقيفية للمجتمع المحلي لزيادة الوعي بقضايا الصحة النفسية.

وتنبه أبو سنيدة إلى أن الإدارة العامة عملت على برنامج دمج الصحة النفسية مع المستشفيات العامة، حيث إنه تم افتتاح ثلاث وحدات للصحة النفسية في المستشفيات لتسهيل حالة تحويل المريض في حال كانت حالته تحتاج لعلاج نفسي وليس طبيًّا.

لكنها توضح أنه رغم كل الخدمات التي تقدمها الإدارة العامة للصحة النفسية إلا أنها لا تكفي احتياجات المرضى النفسيين، خاصة مع الزيادة السنوية، لافتة إلى أن ذلك بسبب النقص الكبير في الكوادر الطبية خاصة على صعيد الأطباء النفسيين، وضعف الطاقة الاستيعابية للمستشفى فلا تكفي لأعداد المرضى، ونقص في الأسرة والإمكانات والمعدات اللوجستية.

وتقول: إن هناك نقصًا حادًّا في الأدوية اللازمة للمرضى النفسيين، مما يسبب لهم انتكاسات مرضية، إلى جانب وجود قلة في عدد المراكز النفسية بالقطاع.

وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أعرب في 18 يوليو/تموز الماضي عن قلقه البالغ من تفاقم أزمة نقص الأدوية في مشافي قطاع غزة، داعيًا السلطة الفلسطينية إلى تحمل مسؤولياتها لضمان توريد الأدوية والمستهلكات الطبية اللازمة للمرافق الصحية في القطاع.

وتتابع أبو سنيدة، بأن المرضى النفسيين بحاجة إلى "توفير أدوية بشكل دائم، حتى لا يتعرضوا لانتكاسات نفسية، وإعادة تأهيل، إلى جانب توفير بيئة أسرية واجتماعية تساعدهم في الاستشفاء، وتوفير بند مالي لكي لا يكونوا عالة على المجتمع، وتأهيل وظيفي".

وتؤكد رئيس قسم التطوير في الإدارة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة بغزة، الحاجة إلى افتتاح وحدات ومراكز جديدة ووحدة خاصة بالصحة النفسية للأطفال، للتمكن من تلبية احتياجات جميع المرضى، وتوفير كوادر طبية، وأدوية والمعدات.

"الشهداء لم يغيبوا".. مهند الحلبي يولد من جديد

"الشهداء لا يعودون لأنهم لم يغيبوا"؛ فلم يغب الشهيد مهند الحلبي عن قلب والدته، وظل مثل لؤلؤة وشمعة حية لم ينطفئ وهجها برحيله شهيدًا، ليعود الاسم مرة أخرى في أحشائها جنينًا، ثم مولودًا يبصر الحياة، حاملًا معه وهج فرحة جديدة حاول الاحتلال إطفاءها خلال السنوات الأربع الماضية.

ممدد على سرير أبيض، يغطيه قبعة ولباس كلون السرير، مكتف اليدين، مغمض العينين، يتنفس الحياة في أول أيامه، لا يدري المولود الجديد أن من بداخل تلك الصورة قرب رأسه ويرتدي سترة حمراء كلون الدماء التي سالت منه لحظة استشهاده؛ هو "مهند الحلبي" الذي يحمل اسمه وأصبح رمزًا للنضال الفلسطيني.

لحظات اختلطت فيها المشاعر؛ بين حزن على فراق ابن غال، وسعادة باستقبال مولود جديد، متناقضات لا يعيشها إلا أبناء الشعب الفلسطيني، رزقت والدة الشهيد مهند الحلبي أخيرًا مولودًا جديدًا أطلقت عليه اسم "مهند الحلبي" تيمنًا بأخيه الراحل.


وليس الاسم وحده المتشابه هنا، فتشرين الأول (أكتوبر) دوّن تاريخ ارتقاء الشهيد مهند عام 2015م، وها هو الشهر نفسه يستقبل "مهند الجديد"، ليحمل معه فرحة كبيرة، لعلها تخفف من ألم فراق شقيقه.

على طرف سماعة الهاتف الأخرى، بنبرة ممزوجة بالفرح، تقول والدة الشهيد والمولود الجديد: "أطلقت اسم مهند على المولود الجديد لإحياء ذكرى اسم نجلي الشهيد، ولنؤكد أننا شعب يحب الحياة، وليعلم الاحتلال أنه حينما يغيب الشهداء وينقص فرد من أفراد الأسرة فإننا نستطيع بإذن الله تعويضه".

ترقب وقلق مع اقتراب لحظات المخاض عاشتهما العائلة، بانتظار فرحة غابت أربع سنوات، حتى الأطباء في المشفى كانوا سعداء، الجميع فرح باستقبال مهند من جديد، "مهند الشهيد كان له مرتبة وجاء شقيقه الرضيع لإحياء اسمه (...) شعور لا يوصف وسعادة كبيرة، كنت أريد ولادته في الثالث من أكتوبر تاريخ استشهاد مهند، لكنني ولدته في 13 أكتوبر، اختلفت الأيام، لكن جمع ذكراهما الشهر ذاته" كانت الفرحة بادية على صوتها.

ما أكثر التشابه هنا!، ففي 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2016م كانت الحلبي أسيرة لدى الاحتلال (اعتقلت ثلاثة أيام)، لكنها هذا العام تضع مولودها.

فرحة وبهجة

"هي رسالة للاحتلال ولشعبنا الفلسطيني،أن اسم الشهداء دائما موجود وأن الشهيد لدينا ليس اسما فقط".. وهذه المرة الحديث لوالد الشهيد الذي كان يرقب زوجته لدى انشغالها بمولودهما.

امتزج صوته بتلك الأيام المحملة بالألم خلال السنوات الأربع: "طوال تلك المدة حتى الآن نعيش في ظروف قاسية، من هدم الاحتلال بيتنا واعتقالنا، ومنعنا من السفر إلى الحج ثلاث مرات، حتى إن البيت الذي نجلس فيه لم يكتمل بناؤه، نسكن في غرفتين صغيرتين بوضع معيشي صعب، زاد صعوبته منغصات الاحتلال واقتحاماته العديدة لمسكننا، وإصابتي بمرض السرطان قبل ستة أشهر".

تتزاحم الكلمات في خاطره في التعبير عن سعادته باستقبال الوافد الجديد: "رزقنا الله مهند الجديد، ليدخل البهجة علينا رغم تلك الآلام التي عشناها، هذا شعور لا يوصف ممزوج بالفرحة، ينسيك الألم والمنغصات، فكانت زوجتي في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة أعوام أسيرة لدى الاحتلال".

وما زالت الفرحة حاضرة في حديث الوالد: "نحن شعب يحب الحياة، وحينما يستشهد أبناؤنا دفاعًا عن أرضهم فإن ذلك لكون هذه أرض مغتصبة تحتاج إلى تضحية".

وبين الحزن على الشهيد وفرحة استقبال المولد، يقول: "حينما استشهد مهند ظل محتجزًا لدى الاحتلال، لكن عندما تسلمنا جثمانه رغم الألم فرحنا بأننا استطعنا تحريره من الثلاجات".

ويشار إلى أن الحلبي استشهد برصاص الاحتلال في الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) 2015م، بذريعة تنفيذه عملية فدائية أدت إلى مقتل مستوطنيْن اثنين.

"رفقًا بالقوارير".. مجموعة في (فيس بوك) تخدم المرأة

تجمع نسوي عبر موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) لم يبقِ نفسه حبيس عالم الإنترنت، بل شدّ عوده وانتقل إلى أرض الميدان، لينفذ عددًا من الأفكار والأهداف التي يطمح بها إلى تقديم كل الخدمات الممكنة لكل امرأة.

و"رفقًا بالقوارير" هي مجموعة نسائية شبابية تكونت عبر موقع فيس بوك عام 2015م في غزة، وهي تمارس نشاطها مؤسسةً افتراضيةً، ويترأسها أعضاء ذوو مواقع إشرافية في وزارات مختلفة، ومن حملة الشهادات العليا من داخل فلسطين وخارجها، وعدد المشاركين في المجموعة بلغ حتى اللحظة "347660" من جميع أنحاء العالم.

صحيفة "فلسطين" تتعرف أكثر إلى مجموعة "رفقًا بالقوارير" بتواصلها مع المنسقة العامة للمجموعة وفاء زهدي جبريل، التي تشغل منصب رئيس قسم مكلف للشؤون الإدارية في الإدارة العامة للشئون القانونية بوزارة الصحة.

وتلفت جبريل، الحاصلة على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، إلى أن رؤية المجموعة هي النهوض بالتثقيف الفكري للمرأة في جميع النواحي وتنميتها وتطويرها، بتأسيس جمعية خيرية تهتم بتعزيز شئون وحقوق المرأة الفلسطينية.

وهو ما دفع أصحاب المجموعة إلى إنشائها؛ لتوفير خصوصية للمرأة لوجود كثير من المجموعات المختلطة غير المحافظة على خصوصيتها، وأنها قد تهاجم بشدة في الردود على فيس بوك، وفق قولها.

وتشير إلى أن رسالتها التميز والإبداع في تقديم الخدمات التي تهم المرأة الفلسطينية وتمكينها بالمجتمع بالتثقيف والتطوير الفكري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتنمية مهارات وقدرات المرأة، وتقديم الخدمات التي تمكنها من ذلك.

وبالانتقال إلى الحديث عن الأهداف التي تسعى المجموعة إلى تحقيقها، توضح جبريل أنها تهدف لرفع مستوى الوعي بين النساء في قضايا تهم المرأة وأسرتها، والسعي نحو تكافل المجتمع الفلسطيني، وتلبية احتياجاته، وتشبيك العلاقات بين الجمعيات الخيرية والجهات الحكومية الداعمة للعمل الخيري، والزيادة والتنوع في أساليب تقديم الخدمات على الصعيد المادي والمعنوي، والمساهمة في نشر الثقافة والوعي الفكري في جميع المجلات التي تهم المرأة وأسرتها، والتميز والإبداع في المجالات التي تعزز ثقافة وفكر المرأة وتقديم الخدمات لها.

أما الأنشطة عبر فيس بوك فتشمل: ضيافة المجموعة شخصيات فلسطينية بالبث المباشر، والرد على استفسارات الأعضاء، وتخصيص ورد يومي ونشره عبر الصفحة خلال شهر رمضان، وعقد دورة فقهية تخص المرأة وأحكام الصيام، ومتابعة الأخبار المحلية والدولية ونشرها، ونشر منشورات عن كيفية التعامل مع الطفل، والتفاعل مع أحداث المسجد الأقصى والتركيز على المرابطات فيه، والتغريد على وسم خاص بالأسرى المضربين عن الطعام، والتضامن مع أسرهم.

"وفي 2016م أي بعد عام على انطلاق المجموعة -تقول المنسقة العامة للمجموعة- إنه نشر إعلان عبرها لرحلة في ميناء غزة للتعارف بين الأعضاء، وكانت هذه أول مبادرة ميدانية، وقدمت فيها الشرطة النسائية توعية للنساء عن الجرائم الإلكترونية".

وتبين أنه بعدها توالت الفعاليات الميدانية، مثل استمرار الرحلات ترفيهية لأعضاء المجموعة، ومبادرة لمرضى الفشل الكلوي في مجمع الشفاء الطبي، وتوزيع سلال غذائية خلال شهر رمضان الكريم للأسر المحتاجة، ومبادرة للتضامن مع الأسرى المضربين عن الطعام وأهاليهم.

"وفي 2017 –تتابع- انطلقت مبادرة "فينا الخير" للمجموعة على مستوى قطاع غزة، وهي مبادرة لجمع الملابس المستخدمة، وفرزها، وتنظيمها، وتنظيفها، وتصنيفها، وشارك فيها أعضاء كثر من المجموعة دون مقابل مادي ليكنّ ضمن الطواقم العاملة والمسؤولة عن تسلم الملابس، والاهتمام بتلبية احتياج من جاء للاستفادة من المبادرة مجانًا".

وتتابع جبريل: "إن المبادرة استمرت ثلاثة أيام متتالية من الساعة العاشرة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وتواصلت إدارة المجموعة مع وزارة الشباب والرياضة، والشرطة الفلسطينية، وبلدية غزة، وأطراف متعددة لإنجاح المبادرة".

وتشير جبريل إلى أنه في العام 2018 زار أعضاء المجموعة بيت المسنين في يوم عيد الام، مرجعة اختيار هذا اليوم لإشعار المسنين أن عضوات المجموعة هنّ بنات لهم، وفي فعالية أخرى نسقت المجموعة لأكبر رحلة على مستوى قطاع فزة من الشمال إلى الجنوب بهدف التخفيف عن المرأة أعباء الحياة.

وأما عن فعاليات المجموعة في عام 2019، فزارت المجموعة الأيتام، إضافة لزيارة مرضى غسيل الكلى من الأطفال، والتنسيق مع وزارة الزراعة لدورة صناعة المنظفات لتعليم المرأة مشاريع تدر الدخل عليها، وإطلاق مسابقة لحفظ القرآن الكريم على مستوى قطاع غزة.

وآخر الفعاليات وفق المنسقة العامة للمجموعة -حتى لحظة كتابة المادة- التنسيق مع بيت الأمان للنساء المعنفات التابع لوزارة التنمية الاجتماعية؛ بهدف التعرف على مشاكل النساء المعنفات، ومعرفة كل ما يتعلق ببيت الأمان، ومدى تقبل المجتمع له، وكيف تتلقى المرأة الآوية لبيت الأمان الحلول، وغيرها من تفاصيل متعلقة به.

في غزة .. قسوة الحياة بـ"ثلاثة قبور" لا تصلح للعيش

بيت قديم متهالك البنيان، تشرق عليه الشمس فتتسلل أشعتها عبر كل ثقب وفتحة في سقفه، مع انسحاب القرص المتوهج متخفيًا وراء الأفق تغيب أحلام أفراد عائلة "أبو غليون"، لتتجدد مع إشراقة يوم جديد يقفون على أطلال الأمل منتظرين حلمًا تأخر كثيرًا حتى باتوا في عداد "المنسيين"، أعمدة أكلها الزمن، وأرضيات متشققة، وجدران متصدعة، حجارة عمرها 60 عامًا ترسم خريطة وحكاية ألم تعيشه العائلة.

قد تعجز الكثير من الكلمات أن تنطق بحروفها حكاية الألم التي كانت شاهدة على معاناة الحاجة فاطمة أبو غليون (78 عامًا)، و21 فردًا يعيشون في منزل يشهد كل ركن فيه على فقر من عمر حجارته القديمة، وألواح "الزينجو" و"الأسبست" التي تآكلت مع مرور الزمن، حتى عجزت هشاشته عن مقاومة غزارة الأمطار التي أغرقتها مرارًا، ومنع حرارة الصيف الحارقة.

اقتربت الجدة على طرق أبواب الثمانين من عمرها، وهي تعيش تحت سقف بيت لا يستطيع توفير أدنى مقومات الحماية لها من البرد، لكن كل ما ذكرناه يسير مقارنة بما سنرويه لكم الآن.

منذ 60 عامًا

الساعة الواحدة ظهرًا، في أحد أزقة مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، حطت أقدامنا أمام باب المنزل "البني"، لكن هذا ليس لون طلاء بل بفعل صدأ نهشه على مدار سنين طويلة وفتح ثقوبًا كثيرة فيه، يسمح بمرور أي قوارض وحشرات من تحته متى شاءت، وأن تتسلل خلسة تحت جنح الظلام.

لا يمكن لمن يلج البيت تحمّل الرطوبة والضيق اللذين أحالاه إلى خرابة، تعرجات كثيرة مرسومة على جدرانه، هي في الحقيقة ليست رسومًا أو أشكالًا هندسيةأو فنية، بل تشققات بفعل التصدع، وكأن زلزالًا ضرب المنزل الذي يرفع على هامته سقفًا تزينه خيوط عنكبوتية، وأخرى تعشش حديثًا لم ترتبط أوصالها بعد.

وكما تتسلل أشعة الشمس من فتحات السقف، لا تجد أمطار الشتاء هنا ما يمنعها فتحيله إلى مستنقع مائي يتسرب من سطح (الزينجو) إلى المطبخ والحمام، ومكان آخر تسميه العائلة تجاوزًا "صالة"، تجدها أمامك مباشرة ما إن يأذن لك بدخول المنزل، هي مكان مفتوح أمامك، هو المنفس الوحيد لأربع عائلات تتكون من 21 فردًا.

على يمينك يتمدد نبيل (46 عامًا) على الأرض،يعاني إعاقات مركبة؛ فهو أصم لا يستطيع النطق، ولا المشي، وكذلك الإدراك، بجانب الجدة يجلس ياسر (48 عامًا) وهو أصم ويعاني إعاقات وأمراض أخرى مثل شقيقه، ظلت والدتهما طوال عمرهما ترعاهما حتى اليوم كما ترعى طفلين صغيرين.

يشع في عينيها بريق وصوت خافت مسكون بمعاناة الماضي؛ تتجه بنظرها نحو ياسر الذي يجلس بقربها: "لدي ولدان لديهما إعاقة مركبة، ربيتهما بصعوبة، حتى الآن أرعاهما كما كنت أرعاهما وهم طفلان، في كل شيء: المساعدة على المشي، ولبس الثياب".

بعد مترين من مكان جلوس الحاجة "أبو غليون" على كرسي بلاستيكي بالصالة يوجد مكان صغير، وكأنك تدخل إلى كهف، هذا ما تسميه العائلة "مطبخًا"، فيه تعد الوجبة اليومية لثلاث عائلات، إن توافرت، تنهدت الجدة على باب المطبخ المكسور: "هذا المطبخ للجميع، نطبخ مرة أو نعد مقالي: (بطاطا ... إلخ) أو أي شيء".

تروي تعرجات وجه هذه الثمانينية التي أحنى العمر ظهرها قليلًا، وربما كذلك مشقة العيش هنا، حكاية مغلفة بالمعاناة والألم، واصفة الحياة هنا: "كما تراه؛ بيت مدمر لا يصلح حتى لعيش الكلاب".

يجبرها الموقف على إخراج تنهيدة أخرى بالعامية: "البني آدمين بعرفوش يقعدوا فيه".

حضرت حديثنا "أم أحمد"، وهي "كنة" لهذا البيت منذ 31 عامًا، شهدت على معاناة ومآسٍ كثيرة، تختصرها بالقول: "ماذا نفعل؟!، مضطرين للعيش".

"الواحد محشور بين سلاف وأولاد، ونتمنى بيت مستقل" تختصر حديثها وعادت لتكمل إعداد طبختها لهذا اليوم.

ضيق وأمنية

في صدر البيت بابان مغلقان أمامهما أكوام من الملابس والأغراض، خلف كل باب غرفة، يعيش ثمانية أفراد لأحد أبناء الجدة غير المعاقين في الغرفة على الجهة اليمنى، منهم بنتان في الجامعة وولد في الثانوية العامة، كل هذا العدد في غرفة واحدة.

في المساء يخرج الأبناء الكبار للنوم في "الصالة"، وفي الغرفة اليسرى يعيش تسعة أفراد بالمعاناة نفسها: "حياة في ضنك، يأتي أفراد المؤسسات الإغاثية لتسجيل حالتنا، لكنهم لا يعودون" تقولها أبو غليون من أمام البابين، وتضيف: "هذا البيت لم يعمر منذ ستين سنة، فقط نضيف غرفة، إذا ضاقت بنا الحياة وزاد عدد أفرادنا".

"لا يوجد تلفاز، ولا أي جهاز لوحي، هذا المكان غير صالح للعيش"، ورغم كل ما ترويه الجدة ما زالت هناك أمنية لدى جميع أفراد العائلة ببناء البيت، اهتزت أصابعها وهي تحاول الإمساك بيد الكرسي البلاستيكي قبل أن تجلس عليه، بعد تلك الجولة داخل البيت، أو إن شئت سمه "ثلاثة قبور"، امتزج صوتها بتلك الأيام المحملة بالألم: "أمنيتنا نشوف دار زي الخلق نقعد فيها، بدل المطر اللي بغرقنا كل سنة".

صالة خالية من أي حصير، أرضيتها مرقعة ببلاط، مطبخ مثل الكهف وكأن أشعة الضوء لا تدخل إليه، سقف به فتحات، ثلاث غرف تعيش في كل غرفة عائلة مكونة من عدة أفراد، ابنان معاقان، هذا وصف مختصر للمشهد، لكن لا حلول هنا "ترى بعينك كيف هذه العائلات تعيش هنا (...) أبنائي متعطلون عن العمل".

ولا تقدم السلطة في رام الله لهذه العائلة سوى "فتات" غير منتظم مساعدة اجتماعية لا تسد رمق الحياة ولا تنهي معاناتها المزمنة، وتحصل على طرد غذائي من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، دون تدخل حقيقي من هاتين الجهتين لاحتواء العائلة وترميم بيتها، لاسيما مع وجود مرضى وذوي إعاقة يحتاجون إلى رعاية خاصة؛ وفق حديث المسنة.

لكن لعل هذه القصة تحدث ما تتمناه الجدة وتصل رسالتهم، لانتشال هذه الأسرة من براثن الفقر، ومستنقع المعاناة، فهل سيلبى النداء؟!، سؤال يراود عيون كل طفل منهم، تخفيه كل ابتسامة ممزوجة بالحزن حاولوا إظهارها، أتخيله في صوت الجوع الذي تعكسه ملامح وبنية أجسادهم.