​جرحى غزة يطرقون جدار الخزان: من لإصاباتنا؟

غزة - هدى الدلو

لا يخفى على أحد الانعكاسات السوداء لحصار الاحتلال الإسرائيلي التي ألقت بظلالها على أهالي قطاع غزة في مختلف مناحي الحياة، ولكن أثره السلبي يمس فئة الجرحى بشكل مؤلم، ليبقى جرحهم نازفًا باستمرار، ومعاناتهم تثقل كاهلهم بشكل أكبر.

فإلى جانب عدم قدرتهم على السفر لتلقي العلاج المناسب بسبب حالة الإغلاق المفروضة على القطاع، فهناك تضييق خانق بمثابة حبل مشنقة يلتف على رقبة القطاع الصحي ليحرم الجرحى من قدرتهم على الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية التي من شأنها أن تخفف من آلامهم، لتتفاقم معاناتهم بصورة تعجز الكلمات عن وصفها..

الجرحى الأكثر تضررًا

الجريح أبو أحمد المصري (45 عامًا)، أصيب في الحرب الأولى على قطاع غزة عام 2008م، حيث باغته صاروخ إسرائيلي من طائرة استطلاع تسببت له بحالة بتر لقدميه الاثنتين من أعلى منطقة الفخذ.

قال المصري لـ "فلسطين": "تعد فئة الجرحى من أكثر الفئات تضررًا من الحصار، والذي نتج عنه الكثير من عدم وجود أصناف من الأدوية، الأمر الذي يزيد من معاناتنا"، متابعًا: "خاصة أن الكثير منا بعد الإصابة تجرى له عمليات لبتر الأطراف المصابة والتي تحتاج إلى أدوية وعلاجات مناسبة لجرحه الذي لا يندمل".

وأضاف: "إن هناك بعض الجرحى من ذوي الإصابات الحرجة ونقص المستلزمات الطبية والمعدات لم يتم إجراء عملية جراحية له، وقد تقوم وزارة الصحة بإصدار تحويلة طبية للعلاج في الخارج ولكن يُصدم الجريح بإغلاق المعابر وعدم السماح له بالسفر، ليستمر مسلسل وجعه وألمه".

وأوضح أن الجرحى من فئة الأطراف يعانون من عدم توفر الأدوات المساعدة مثل الكراسي المتحركة، والعكاكيز والأطراف الصناعية والسيارات الكهربائية وغيرها، وفي حال وجد فإنه يباع في القطاع الخاص بأسعار باهظة الثمن حيث لا يستطيع المريض شراءه.

وأشار المصري إلى أن الجمعيات والمؤسسات الخاصة بالجرحى لم تستطع تقديم مساعدات للجرحى بسبب الحصار وقلة الإمكانات.

"يا بتعالج يا بموت"

أما الجريح محمد أبو عطايا والذي أصيب أثناء مشاركته في اليوم الأول في مسيرات العودة 30/3/2018 في رجله اليمنى أدت إلى كسر في العظام، وقطع لأوتار الأصابع أدت إلى عدم مقدرته على تحريك أصابعه، وعدم شعوره بأي إحساس في منطقة القدم، وأجرى له الأطباء عدة عمليات، وقالوا إنه قد يحتاج لأخرى.

وقال أبو عطايا لـ "فلسطين": "من المفترض أن تفتح كل الأبواب أمام الجريح، وتسهيل عملية سفره للعلاج بالخارج خاصة بعدما ضحى بحياته من أجل الدفاع عن أرضه، واسترداد حقوقه، فقد قدمت تقارير طبية من أجل الحصول على تحويلة طبية، ولكن محاولاتي باءت بالفشل".

وتابع حديثه: "حتى أن الأدوية التي تخفف من معاناة الجريح غير متوفرة في المستشفيات، وفي ظل تردي وضعي المادي أضطر إلى الذهاب للجمعيات من أجل توفير الدواء، وفي حال لم يتوفر لا أستطيع شراءه لعدم توفر المال".

ونبّه إلى أن شراء الأدوية والعلاجات يحتاج إلى مصروف آخر، خاصة أن لديه طفلا من ذوي الإعاقة ويحتاج إلى رعاية خاصة.

وقد شارك أبو عطايا في سفن كسر الحصار التي انطلقت من قطاع غزة من أجل السماح له بالعلاج، ليخاطر بحياته من أجل الشفاء، مضيفًا: "راح أضل أشارك بالسفن حتى أحصل على العلاج، رغم أن اليهودي قام بتهديدي بالاعتقال، وقد قال لي اليهودي أنت يا أبو عطايا هاي تاني مرة تشارك في سفينة كسر الحصار، فقلت له: "عالجني" فرد عليّ: "أنت جاي تحقق أمنيتك عنا؟".

معاناة مضاعفة

أبو رائد الوادية (61 عامًا) جريح حرب عام 2008 في الحرب الأولى على قطاع غزة، أصيب في رجله وبسبب عدم تلقي العلاج المناسب تم بترها بسبب الالتهابات الشديدة.

وقال: "من المفترض أن يتم السماح للجرحى بالسفر لتلقي العلاج، لعدم تدهور الحالة الصحية، والحصار المفروض منذ سنوات على القطاع يزيد من معاناة الجرحى والمرضى لمنعهم من السفر لاستكمال علاجهم بالخارج".

وبيّن أن العلاج يحتاج إلى تكاليف مادية باهظة مما ضاعف من معاناتهم، وهو لا يقوى عليه في ظل سوء وضعه المادي، والذي زاد الأمر سوءًا إصابة أبنائه الثلاثة أثناء مشاركتهم في مسيرات العودة.

ظروف كارثية

وقال ظريف الغرة من جرحى حرب 2008: "الجرحى جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع الفلسطيني, وبالتالي فهم يتأثرون بشكل مباشر بكل الظروف المعيشية الكارثية التي تنتج عن الحصار، خاصة وأن الأثر على الجرحى مضاعف مقارنة بالمواطنين الآخرين, وذلك بسبب الاحتياجات الخاصة التي تفرضها الاصابة على الجريح، والتي كثيرًا ما يحول الحصار دون توفيرها ودون حصول الجريح عليها, مما يزيد من مضاعفات الاصابة وقد تؤدي في بعض الأحيان للوفاة".

وأوضح أن هذا يعد انتهاكًا واضحًا لكافة القوانين الدولية وكذلك الحقوق العالمية ومنها الحق في التنقل والسفر، فالكثير من الجرحى فقدوا حياتهم جراء تأخر وصولهم لمراكز طبية متقدمة في المشافي العربية والأوروبية, وغيرهم ممن ما زالوا يعانون الإعاقة جراء عدم تمكنهم من تركيب الأطراف الصناعية التي تعوضهم عن الأطراف التي فقدوها جراء الإصابة.

وختم الغرة حديثه لـ "فلسطين": "وجراء الحرب الأخيرة على غزة 2014, تم من خلالها قصف عدد من المشافي والمراكز الصحية, ومنها مشفى الوفاء للتأهيل الطبي, والذي دمر كل الأجهزة الطبية المتخصصة المتطورة، وقد حال الحصار دون إدخال هذه الأجهزة مرة أخرى لغزة، وبالتالي تأثرت خدمة التأهيل المقدمة للجرحى سلبًا, وتضاعفت إصاباتهم سوءًا بسبب غياب الأجهزة الطبية المتخصصة".